جيوسياسية الاختناق ما بين صراع المضائق ورهانات البدائل

المشهد الراهن بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو إعادة صياغة قسرية لمفهوم السيطرة الاستراتيجية.

​لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد طرق للقوافل التجارية، بل تحولت في عام 2026 إلى أعصاب مكشوفة للاقتصاد العالمي، حيث يتداخل الرصاص بأسعار النفط، وتتحول الجغرافيا من ميزة طبيعية إلى سلاح فتاك.

إن المشهد الراهن بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو إعادة صياغة قسرية لمفهوم السيطرة الاستراتيجية، حيث لم يعد الرابح هو من يملك الممر، بل من يملك القدرة على تعطيله أو خلق البديل عنه.

​وفي باب المندب، نعيش اليوم زمن السيادة السلبية، حيث أثبتت التجربة الميدانية أن السيطرة لا تتطلب أساطيل ضخمة، بل يكفي امتلاك القدرة على جعل الممر غير آمن ليدفع العالم أجمع ثمن الدوران حول أفريقيا، وهو تغيير لا يتوقف عند تأخير المواعيد، بل هو نزيف مالي عالمي يرفع كلف التأمين والشحن، ويحول الزمن إلى عبء يثقل كاهل المستهلك في أقصى الأرض، كما أن التهديدات الميدانية المتصاعدة تفتح الباب أمام أزمة وجودية للملاحة الدولية.

​أما في مضيق هرمز، فإن المسألة تلامس الخطوط الحمراء للطاقة العالمية، فمع عبور نحو خُمس إمدادات النفط عبر هذا الشريان، أدى التوتر الأخير وتراجع حركة الناقلات إلى قفزة جنونية في الأسعار تجاوزت حاجز الـ100 دولار للبرميل. وإيران هنا تمارس لعبة الخطر الكامن، فهي لا تحتاج لإغلاق المضيق عسكرياً بالكامل، بل يكفي زرع الشكوك والألغام لتشل حركة الملاحة، وحين تفقد شركات التأمين والناقلات ثقتها في أمن الممرات، يصبح المضيق مغلقاً فعلياً وإن ظلّ مفتوحاً تقنياً.

​وسط هذا الانسداد، برز تصريح المبعوث الأميركي توم باراك كإشارة انعطاف استراتيجية، حين طرح سوريا كبديل استراتيجي محتمل عن مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو طرح ليس مجرد مناورة جغرافية، بل هو اعتراف بفشل نقاط الاختناق الكلاسيكية في تأمين تدفق الطاقة.

إن استعراض الفوارق اللوجستية يوضح لماذا باتت الجغرافيا السورية مطلباً استراتيجياً، فبينما ارتفعت بوالص تأمين السفن عبر هرمز وباب المندب بنسب مضاعفة، توفّر المسارات البرية وشبكات الربط استقراراً أمنياً طويل الأمد بعيداً عن مخاطر البحار.

كما أن الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح يضيف أياماً طويلة من الإبحار ويرفع كلفة الوقود، في حين يختصر الربط البري عبر الهلال الخصيب وصول الطاقة إلى المتوسط بنسب زمنية كبيرة جداً. علاوة على ذلك، تمثل الممرات البحرية نقاط اختناق ثابتة يسهل استهدافها، بينما توفر البدائل البرية عبر سوريا شبكة من المسارات المتعددة التي يصعب شلها بالكامل، مما يمنح الاقتصاد العالمي مرونة استراتيجية مفقودة حالياً.

​وعلى المقلب الآخر، يعكس موقف الرئيس دونالد ترامب وتلويحه بإعادة تشكيل السيطرة على المضائق إدراكاً أميركياً بأن النظام التجاري العالمي بات هشاً أمام أدوات بسيطة، لكن الوقائع الميدانية تؤكد أن فتح المضيق ليس قراراً سياسياً، بل عملية تقنية معقدة قد تستغرق وقتاً طويلاً لإعادة بناء الثقة المفقودة.

​وبالتالي بدأت الدول الكبرى تدرك أن المراهنة على الممرات البحرية التقليدية باتت مخاطرة غير محسوبة، وأن القوة اليوم تكمن في المرونة الجغرافية، فالصراع ليس على الماء، بل على التدفق، ومن يستطيع تأمين تدفق الطاقة والسلع بعيداً عن كماشة المضائق، هو من سيربح حرب استنزاف الجغرافيا ويتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي الجديد، وهنا تبرز سوريا كلاعب لا يمكن تجاوزه في هذه المعادلة، ولكن النقطة الأهم تكمن في أن جهوزية هذه البدائل تتطلب وقتاً، كما أن الرحلات التجارية عبرها قد تكون ذات كلفة مرتفعة ومدد زمنية متفاوتة في مراحل التأسيس الأولى.