هل عرفنا أم كلثوم؟

كتاب محمود عوض يكشف عن الجوانب الإنسانية والخفية لشخصية كوكب الشرق وسيرتها النضالية، متجاوزا صورتها الفنية التقليدية ليقدمها كقوة ناعمة و'وطن يغني'.

عاد كتاب "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد" للكاتب الصحفي محمود عوض إلى الواجهة بعد الهجوم الذي تعرّض له فيلم "الست" عن حياة أم كلثوم.

وبطبيعة الحال ليس كتاب محمود عوض هو الوحيد عن أم كلثوم، ثمة العشرات من الكتب التي تحدثت عن أم كلثوم وحياتها وفنها؛ منها كتاب د. رتيبة الحفني "معجزة الغناء العربي" الصادر في طبعته الأولى عام 1994، وكتاب د. نعمات أحمد فؤاد "أم كلثوم وعصر من الفن" الصادر عام 1976، وكتاب "أم كلثوم حياة نغم" لمحمد السيد شوشة والصادر عام 1976، وكتاب "لغز أم كلثوم" للناقد رجاء النقاش الصادر عام 2009. وكتاب "أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة " للكاتب الصحفي حسن عبدالموجود، وغيرها من الكتب التي تحدثت عن سيدة الغناء العربي، سواء في مصر أو خارجها.

ولعل أقرب هذه الكتب إلى قلب القارئ هو كتاب محمود عوض "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد" والذي شاركتْ أم كلثوم بالكتابة فيه بنفسها وروحها وقلمها، ربما أكثر من المؤلف نفسه. ولم يكن دور عوض في هذا الكتاب أكثر من التسجيل وإعادة بناء الجملة صحفيًّا، وإبداء بعض الملاحظات، وقد نجح الكاتب في أن يستخلص من كوكب الشرق بعض ما عندها من أسرار وحكايات ونظرات فن الفن والحياة.

لذا يُعد الكتاب واحدًا من أهم الكتب التي نشرت في حياة أم كلثوم (1898 – 1975)، وهو يكشف جوانب شخصية وفنية بعيداً عن صخب الحفلات والإعلام. ولكن هل عرفنا أم كلثوم حق المعرفة بعد قراءتنا لهذا الكتاب، أو حتى الكتب الأخرى؟

الكتاب لا يسرد مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل يغوص في جوانب إنسانية وخفية من شخصيتها وتاريخها الفني. ويتميز بأسلوب يجمع بين التوثيق والدراما، حيث وصفه نقَّاد بأنه كُتب بروح "السيناريو"، مما يجعل القارئ يعيش المواقف وكأنه يراها. يركز محمود عوض على "أم كلثوم الإنسانة" بعيدًا عن أضواء المسرح والسينما والحفلات والجمهور، متناولًا ذكاءها الفطري، وقدرتها على الإدارة، وعلاقاتها بالوسط الثقافي والسياسي في مصر.

يستعرض الكتاب قصة كفاح طفلة بدأت من قرية "طماي الزهايرة" في محافظة الشرقية، تتمتع بموهبة فذّة وطموح هائل، وكيف استطاعت الصمود على القمة لنحو نصف قرن. وتضمن بعض طبعات الكتاب ألبومات صور نادرة ومميزة تؤرخ لمراحل مختلفة من حياتها.

يقدم محمود عوض لوحة إنسانية تتجاوز صورة "المطربة العظيمة" لتكشف عن "المرأة الذكية" والمواطنة المصرية الأصيلة الصلبة.  فضلا عن تحليله لكيف أدارت أم كلثوم موهبتها بعقلية "مؤسسة"، فكانت تختار كلماتها وألحانها بدقة وتعرف متى تظهر ومتى تختفي.

كما يتناول الكتاب تحولها إلى "سفيرة فوق العادة" لمصر، خاصة بعد هزيمة 1967، وكيف سخَّرت فنها لدعم المجهود الحربي في جولات عالمية. ويوضح كيف انتقلت أم كلثوم من غناء التواشيح والقصائد التقليدية إلى تطوير الأغنية العربية، وهو ما جعل جيل الكاتب الصحفي محمود عوض، يعشق فنها دون "عبودية" أو تقديس أعمى.

ويرسم عوض صورة للشاعر أحمد رامي كـ "حارس المعبد" الذي كتب لها أكثر من نصف أغانيها (نحو 110 أغنية)، وكيف كانت علاقتهما مزيجًا من الحب العذري والتعاون الفني الفريد.

ومن أسرار الكتاب خلفيات بعض طقوس أم كلثوم، مثل حملها الدائم للمنديل على المسرح، والذي لم يكن مجرد إكسسوار، بل لتهدئة عرق يديها الناتج عن "فرط نشاط الغدة الدرقية" والتوتر قبل الغناء. ويتحدث عن جولات "المجهود الحربي" التي قامت أم كلثوم المقاتلة، بعد نكسة 1967، حيث تحولت من فنانة إلى مؤسسة دبلوماسية تمشي على قدمين. تهدف إلى جمع المال لإعادة بناء الجيش المصري وتطوير المستشفيات، رافعة شعار "الفن في خدمة المعركة".

لقد طافت أم كلثوم عواصم العالم (باريس، الكويت، أبوظبي، بيروت، بنغازي، والخرطوم). في مسرح ''الأولمبيا'' بباريس كانت المحطة الأبرز في جولتها؛ حيث غنّت على أشهر مسارح فرنسا، وذهب ريع الحفل بالكامل -الذي قُدر بمبالغ ضخمة بالعملة الصعبة- إلى الخزانة المصرية.

كان الملوك والرؤساء يستقبلونها استقبال "رؤساء الدول"، وكانت تستغل هذه اللقاءات لتوضيح عدالة القضية العربية، مما جعل محمود عوض يصفها بأنها "قوة ناعمة" هزمت الدبلوماسية التقليدية.

كان اللقاء اللقاء التاريخي بينها وبين الشاعر نزار قباني في عام 1969، حيث كتب نزار قصيدة بعنوان "طريق واحد" (أصبح عندي الآن بندقية). وكانت القصيدة "حديثة" جداً ومختلفة عن نمط القصائد التي اعتادت أم كلثوم غناءها، لكنها أصرت عليها لتعبر عن روح المقاومة. وأسندت اللحن للموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي قدم لحنًا حماسيًّا يدمج فيه بين قوة "المارش العسكري" وشجن "الآه" الكلثومية. وقد غنتها أم كلثوم وهي تضع "بروش" على شكل علم فلسطين، وطافت بها في حفلاتها الخارجية، مما جعلها "نشيداً" للثورة والمقاومة في ذلك الوقت.

"أصبح عندي الآن بندقية.. إلى فلسطين خذوني معكم"

"يا أيها الثوار.. في القدس، في الخليل، في بيسان، في الأغوار"

"إلى فلسطين خذوني معكم..

إلى جبالٍ دافئةٍ، وغاباتٍ دافئةٍ،

إلى فلسطين خذوني معكم"

كانت أم كلثوم تغني تلك الأغنية بحدة وقوة لم يعتدها الجمهور في أغاني الحب، وكأنها تعلن أن "آهات" الغرام قد تحوَّلت إلى "رصاص" للدفاع عن الأرض.

وينهي محمود عوض كتابه "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد" بنبرة يملأها الشجن، واصفًا اللحظات التي توقفت فيها "نبضات مصر" مع توقف قلب كوكب الشرق. حيث حاصرها مرض "الفشل الكلوي" في سنواتها الأخيرة، وكيف كانت تقاوم الضعف الجسدي بكبرياء شديد، وترفض أن يراها الجمهور في حالة انكسار. لكنها  توفيت في 3 فبراير/شباط 1975. ويصف عوض المشهد ليس كوفاة فنانة، بل كـ "خسوف كلي" للشمس في سماء العرب.

ويختتم الكاتب الصحفي محمود عوض كتابه بجملة تلخص فلسفته: "أم كلثوم لم تكن مجرد صوت يغني، بل كانت وطناً يغني".

ويظل السؤال مطروحًا بعد قراءة هذا الكتاب؛ هل عرفنا أم كلثوم حقًّا؟