روسيا تسعى لتحويل مصر إلى مركز إمداد بالحبوب والطاقة

بوتين يؤكد خلال لقائه عبدالعاطي أنه أصدر تعليمات للحكومة الروسية لضمان عدم وجود أي عقبات في إمدادات الغذاء لمصر، واصفاً إياها بـ"الشريك الإستراتيجي" الذي لا يتأثر بتقلبات السوق العالمية.

موسكو - تتسارع خطى روسيا لتعزيز نفوذها في القارة السمراء، متخذة من "دبلوماسية الغذاء والطاقة" سلاحاً ناعماً لكسر طوق العزلة الغربية. وفي هذا السياق، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الخميس، عن ملامح مشروع طموح يتمثل في إنشاء مركز إقليمي للحبوب والطاقة في مصر، وهو المقترح الذي طرحه خلال استقباله لوزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي في موسكو.

وقال عبدالعاطي، خلال اجتماع بالكرملين، إن القاهرة ترحب بالمبادرات الروسية، فيما لم يكشف أي من الجانبين، تفاصيل إضافية بشأن مقترح المركز.

وأكد بوتين أن روسيا حققت محصولاً وفيراً من الحبوب العام الماضي، وأنه أصدر تعليمات للحكومة لضمان عدم وجود أي عقبات في إمدادات الغذاء لمصر، واصفاً إياها بـ"الشريك الاستراتيجي" الذي لا يتأثر بتقلبات السوق العالمية.

ويأتي هذا الطرح مستثمراً حاجة القاهرة الماسة لتأمين تدفقات السلع الأساسية في ظل تحديات اقتصادية عالمية. فمصر، التي تتربع على عرش أكبر مستوردي القمح عالمياً، تعد الشريك الأبرز لروسيا في هذا القطاع؛ إذ تشير تقديرات شركة "روس أغرو ترانس" إلى أن المشتريات المصرية من الحبوب الروسية بلغت نحو 7.6 مليون طن هذا الموسم، وهو ما يعكس اعتماداً متبادلاً يسعى بوتين لتحويله إلى مؤسسة لوجستية مستدامة.

ولا يقتصر الطموح الروسي على السوق المصرية فحسب، بل تمثل القاهرة "حجر الزاوية" في الرؤية الروسية الجديدة لتنويع مسارات التصدير بعيداً عن الرقابة والعقوبات الغربية. ويهدف مقترح "المركز" إلى تحويل مصر إلى منصة انطلاق (Hub) لتخزين وتوزيع الطاقة والسلع الروسية نحو الأسواق الإفريقية والعربية، مما يمنح موسكو مرونة أكبر في الالتفاف على القيود المالية واللوجستية المفروضة بسبب حربها على أوكرانيا.

وعلى الرغم من حظر التصدير المؤقت الذي فرضته موسكو على البنزين لضمان استقرار سوقها المحلي، إلا أن ملف الطاقة يظل محورياً في المحادثات. فمصر، التي تعد من كبار مستوردي المحروقات الروسية، تنظر إلى هذه المبادرات بعين الترحيب، وهو ما أكده الوزير عبدالعاطي، معتبراً إياها خطوة نحو تعزيز أمن الطاقة الإقليمي.

ويأتي هذا التحرك بعد محاولات روسية مماثلة لإنشاء مراكز غاز في تركيا لم تشهد تقدماً ملموساً، ومناقشات حول مراكز حبوب في سلطنة عمان. ومع ذلك، تبدو الفرص في مصر أكثر نضجاً نظراً للبنية التحتية اللوجستية المصرية (قناة السويس والموانئ) وحجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين في السلع الأولية.

وتُعد هذه الخطوة أحدث حلقة في إطار مساعي روسيا لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية، حيث تسعى موسكو جاهدة للانتقال من مربع التعاون الأمني والعسكري إلى مربع "الهيمنة الاقتصادية الناعمة". فمن خلال التحكم في سلاسل توريد القمح والطاقة، تهدف روسيا إلى بناء شبكة من "التبعيات الاستراتيجية" التي تمنحها ثقلاً سياسياً في المحافل الدولية وتوازن بها الضغوط الغربية.

ويمثل المركز المقترح في مصر "رأس جسر" اقتصادياً يربط المصالح الروسية بعمق القارة السمراء، خاصة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث باتت موسكو لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الاستقرار الإقليمي، مستغلة في ذلك الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الأوروبي التقليدي.