طهران في فخ المقايضات الكبرى وهشاشة الرهان الشرقي

​ العزلة الميدانية التي تعيشها إيران اليوم تثبت أن السياسات القائمة على الأذرع غير التقليدية قد تمنح نفوذاً إقليمياً، لكنها لا تبني أماناً قومياً مستداماً.

تتكفل اللحظات الحرجة دائماً بإسقاط الأقنعة عن الشعارات الرنانة، لتعيد تذكيرنا بحقيقة دولية باردة، وهي أنّ العالم يُدار بدفاتر الحسابات لا بعهود الصداقة، فبعد جولات الردع المتبادل التي شهدناها مؤخراً في عام 2026 والضربات التي استهدفت العمق الإيراني، برزت مفارقة ملفتة، فبينما تتحرك واشنطن كشريك عضوي وميداني مع إسرائيل عبر الدعم المباشر وغير المباشر، تقف القوى الشرقية (روسيا والصين) في مربع المراقب الحذر، الذي يكتفي بضبط إيقاع مصالحه دون الانزلاق إلى كلفة المواجهة.

​إن هذا التباين ليس خذلاناً عاطفياً، بل هو نتاج طبيعي لتموضع إيران كشريك ضرورة لا كحليف عضوي أو بنيوي، فبالنسبة لبكين، تظل إيران محطة وقود كبيرة وممراً ضمن مبادرة الحزام والطريق، كما تمثل محطة إمداد حيوية، لكنها ليست سبباً كافياً للتضحية بسوق استهلاكية أميركية وغربية تدر عليها تريليونات الدولارات. الصين اليوم تمارس "براغماتية الطاقة، فهي تريد تدفقاً رخيصاً ومستقراً للنفط الإيراني لضمان دوران عجلة مصانعها، لكنها ترفض دفع فاتورة سياسية أو عسكرية لحماية هذا التدفق إذا ما اصطدم بالخطوط الحمراء الغربية أو بمصالحها الاقتصادية الأوسع.

​أما في المقلب الروسي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً، فموسكو المستنزفة في أوكرانيا تجد في اشتعال الشرق الأوسط هدية جيوسياسية تشتت التركيز الأميركي وتخفف الضغط عن جبهتها الشمالية، لكنها في الوقت نفسه لا تبدي استعداداً لتقديم منظومات دفاع جوي نوعية بكميات قادرة على تغيير ميزان القوى لصالح طهران.

وفي سياق متصل بالتحولات السورية، تسعى موسكو إلى تثبيت نفوذها في الساحل السوري وقواعدها في طرطوس وحميميم، مع ميل واضح لترتيب ستاتيكو أمني يحد من الاحتكاك مع إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على قنوات التنسيق الجوي، وهو ما يفرض عليها هامش مناورة لا تستطيع طهران توفيره. هنا تتحول إيران من حليف إلى ورقة مساومة، تستخدم لتحسين شروط موسكو في ملفات أخرى، وعلى رأسها أوكرانيا.

​هذا الانكشاف الاستراتيجي يضع مفهوم وحدة الساحات أمام اختبار قاسٍ، فالعزلة الميدانية التي تعيشها إيران اليوم تثبت أن السياسات القائمة على الأذرع غير التقليدية قد تمنح نفوذاً إقليمياً، لكنها لا تبني أماناً قومياً مستداماً أمام تفوق تكنولوجي وعسكري تقوده واشنطن وتل أبيب بتنسيق لحظي.

لقد حاولت طهران اللعب على تناقضات القطبية الدولية، لكنها اكتشفت أن موسكو وبكين يضعان أولوياتهما في أوكرانيا وتايوان فوق أي اعتبار آخر، مما جعل من الجغرافيا الإيرانية ساحة تُستخدم لتحسين شروط التفاوض في ملفات بعيدة عنها. كما أن محاولات الابتزاز الاستراتيجي والتلويح بالتقارب مع الغرب للضغط على الشرق أسهمت في ترسيخ صورتها كشريك متقلب، لا كشريك يمكن التعويل عليه في معادلات طويلة الأمد.

أمّا ​اقتصادياً، فالصدمة تبدو أعمق، إذ انّ الاعتماد على اقتصاد المقاومة والالتفاف على العقوبات عبر المنافذ الشرقية لم يوفر شبكة أمان حقيقية حين دقت ساعة الحقيقة الميدانية. بل إن الرهان على هذه القنوات كشف هشاشته عند أول اختبار جدي، ما يعزز القناعة بأن السيادة التي تُبنى على الاستقواء بالخارج هي سيادة معارة تُسترد عند أول تقاطع مصالح بين الكبار.

​إن ما نشهده اليوم لا يمثل مجرد تراجع في مستوى الدعم، بل هو انكشاف استراتيجي كامل يعيد تعريف موقع إيران ضمن شبكة العلاقات الدولية، ففي عالم الواقعية السياسية، لا تتحرك القوى الكبرى إلا وفق تعريف دقيق لشركاء المصلحة، وإيران، بسلوكها الإقليمي ومحاولتها توسيع نفوذها عبر أدوات غير تقليدية، تحولت إلى عبء جيوسياسي يخشى الجميع الانجرار خلفه في لحظة تصعيد غير محسوبة.

​أمّا الدرس الأبرز فلا يقتصر على الحالة الإيرانية، بل يمتد إلى المنطقة بأسرها، وللعالم العربي تحديداً، فنحن أصبحنا أمام لحظة انكشاف تؤكد أن المشروع الوطني المتماسك والقوة الذاتية هما الضمانة الوحيدة، فالخروج من موقع الساحة التي تُصفّى فيها الحسابات الدولية إلى موقع الفاعل يتطلب إعادة تعريف التحالفات بناءً على الندّية وليس التبعية، مما يستوجب بناء كتلة إقليمية تدرك جيداً أن في عالم السياسة لا توجد مقاعد محجوزة للصداقات الدائمة، وانّما فقط لطاولات تتقاسم عليها القوى العظمى نفوذها على حساب من يكتفي بالشعارات.