جدلية النور والعتمة: قراءة في الفضاءات البحرية لديوان سهام الشريف

الشاعرة تجسّد في 'المرافئ الدافئة لا تهجرها النوارس' تلاحم المبدع مع بيئته البحرية، حيث يمتزجُ الرمزُ الصوفي بلعبة الضوء والظلمة ليتحوّل الشعرُ إلى أداةٍ للتطهر الروحي والانعتاق في فضاءات الحلم.

يرتبط المبدع ببيئته، فما بالك إن كان يعيش قريبا من البحر له ذكريات خاصة معه في كل الفصول، يقرأ الكتب على شاطئه، يتوسّد الصخور، يتفقد نباتاته، يتأمّل الطيور البحرية وهي تستحم في المياه الدافئة. يتحوّل إلى نورس كلما شعر بدفء المكان.. يتحوّل الشاطئ إلى البيت المنفتح الدافئ، من حوله قوارب، تحمل حكايات الإبحار، وأسرار النفس التواقة للاستكشاف والمغامرة والرسوّ على شاطئها الآمن. هكذا هي سهام الشريف تجوب المرافىء  لترسو نفسها الحالمة المتناغمة مع صمتها الداخلي على إيقاع الموج وهديره، تحلق كطائر نورس على الشاطئ، تنفض أجنحة الحلم، تحلّق بلغتها في فضاءات حالمة. 

وللشاعرة التونسية سهام الشريف طريقة خاصة في التعامل مع نصوصها، فهي تقرأها من خلال طبقات صوتية متعددة، وعبر حركات تعبر عن إحساسها واندماجها مع لغتها الإبداعية. والأكيد أنها تحقق ذروة تواصلها مع المتلقي بمنتهى العفوية. والقارئ لهذه النصوص يستشف ميلها للرمز للتعبير عن أفكارها ورؤاها. وهي تختار رموزها لتدل على خصائص الأشياء من حولها ضمن مشهدية متناغمة مع ايقاع الوجدان. 

وفي ديوانها "المرافئ الدافئة لا تهجرها النوارس" فهي تخط العنوان باللون الأصفر الصافي الواضح الدال على الدفء وعلى الحركة، وهو في لوحة غلاف الديوان  لون النور  الغاطس في عتمة الليل.  السواد عامة يغيب كل الألوان، ولكنه في لوحة غلاف الديوان لا يحجب صورة القوارب والمدينة المطلة على البحر بألوانها ومشهديتها اللامعة التي تكمن قوتها في وضوحها البصري، مما يحول الليل إلى فضاء لاشراقات عناصر البحر واكتشافها من  جديد انطلاقا من الوعي الباطني بها. تلك المشهدية هي أكوان راسخة في وجدان الشاعرة ساطعة في ذهنها دائمة البزوغ..
في قصيدة "رقصة الشموع" تنتفض الشموع وهي ترسل نورها لقلب شاعر ثائر يغني مع الطيور ويناجي القمر، تتسع الصورة من تدفق نوراني إلى عناصر الوجود الهشة مثل الطير والقمر والليل هذه الكائنات لها دلالات روحية، الطير يهدي إلى الحق والجمال والحرية، والليل بقمره المكتمل فضاء الرومنسيين. وتنعكس الصور وتتولد  من بعضها فالقمر الذي ينير الظلام  وجه آخر لنور الشمعة الغاطسة في العتمة، وكلاهما يتناغم مع نغمة القصيدة. لأن مشاهد الشمعة والقمر هي التي ترسخ في ذاكرة الشاعر حين يبحث عن النور في في ما وراء الذات المظلمة. ومن خلال هذه الرموز يكون الشعر نوعا من التطهر والمناجاة. كما أنها تكشف عن الظل النفسي الذي يتحرك مع اللغة الشعرية، ويكون أساسا لها. 

العلاقة بين الشاعرة وظلها علاقة دافئة. الشعراء عامة يمجون  الوضوح، ويجدون في عملية الخلق الشعري الروحي رقصات النور الخافت، لتتدفق الصور الشعرية في عالم بانورامي أثيري. من خلال لعبة النور والظل، الضوء الخافت والعتمة، المعاناة والتجلي، رونق آخر للحياة ووجه حلمي مشبع  بتقاسم روح الشمعة الى أن تحل في لغته وتجذبها إلى سطح الورقة .. 

"موج الحياة
أنت في حالة مد هذه الليلة
وقد تقيأت أدرانك"

موج الحياة هو في حالة حركة دائمة وعلاقة تزاوج مع القمر في أعلى نقطة له وفي أدناها   ذلك أن القمر يجذب الماء على سطح الأرض، مما يؤدي إلى المد أي  ارتفاع مستوى الماء. كل هذه التحولات المرتبطة بالقمر تؤثر على الشاعرة وتعد حالة من الفيض الروحي والتطهر من الشوائب السلبية.. للقمر تأثير على الكتابة الشعرية فهي نوع من الطاقة الايجابية التي  تهدئ النفس وتطهر الروح.

"أنا أحب أن أرسم لوحات الخواء
بلون واحد وفرشاة واحدة
تنقر الكلمات نقرا جميلا
فأزيل بعض الأدران عن ستائر قلبي"

لوحة الخواء هي لوحة فنية شهيرة للرسام الإسباني سلفادور دالي "تعبر عن الفراغ والخلو والوحدة. تصور شاطئًا فارغًا مع شخصية واحدة في الأفق". وهي لوحة ملهمة للشاعرة لأنها تطهرها من صور مألوفة لتتأمل  المطلق وتربط وجودها مع عالم غير متناه.  تغيب الشاعرة عن مشهد لوحة الغلاف ولكنها تحضر من خلال لغتها المعبرة عن أفكارها ومشاعرها وقصصها. فقد أشعّت بروحها التي تكون غير المرئية. برقصات  النور الرخيم الخافت، المتعة الموجعة، الصور الشعرية التي تدفق في عالم بانورامي أثيري.  

"المرافئ الدافئة لا تهجرها النوارس" عنوان بلون الشمس يكشف حقيقة أخفاها الظلام، هيبة النور الذكوري يسطع الضوء كانبثاق اللاوعي الخلاق لتنكشف الطرق الغامضة للنفس المتأملة…