ديكور سينمائي دقيق يُرعب عشّاق السينما في 'فندق السلام'

المخرج المغربي جمال بلمجدوب يعرض فيلمه الأخير في القاعات المغربية وسط ترحاب جماهري واسع بهذا النوع الجديد.

يستعد فيلم "فندق السلام" للمخرج جمال بلمجدوب ليحقق نقلة نوعية في السينما المغربية من خلال عرضه التجاري في مختلف القاعات السينمائية الوطنية ابتداء من شهر أبريل/نيسان 2026 بعد سلسلة من التأجيلات التي رافقته، كتجربة رعب أصيلة مستوحاة من التراث الشعبي المغربي ومعتقدات الجن والعفاريت التي تشكل جزءاً عميقاً من الثقافة المحلية، ويمزج بين عناصر التشويق النفسي والدراما الإنسانية بطريقة تجعل الجمهور يعيش حالة من التوتر المستمر طوال ساعة ونصف الساعة تقريباً، كما يستلهم المخرج من تجاربه السابقة في كتابة السيناريو وإخراج أعمال درامية ناجحة ليبني حبكة متماسكة تجمع بين الخوف الخارق والصراعات الداخلية للشخصيات، ويبرز من خلال ذلك كيف يمكن للطمع أن يحول مجموعة من الأصدقاء إلى أعداء شرسين عند مواجهة قوى غير مرئية.

يوظّف المخرج جمال بلمجدوب عناصر التراث المغربي ليصنع عملاً سينمائياً فريداً يحمل هوية وطنية واضحة في كل لقطة ومشهد، حينما يستحضر أساطير الجن حارس الكنز المخفي تحت الأرض ليربطها بقصة واقعية عن الجشع الذي يسيطر على مجموعة من الأشخاص فيبدأون رحلة البحث عن الثراء السريع ثم يواجهون عواقب أفعالهم بطريقة مرعبة ومؤثرة، ويتميز الفيلم باستخدام تقنيات ماكياج سينمائي متقدمة وديكورات واقعية في مواقع مهجورة تضيف جواً من الرعب الحقيقي، كما يعتمد على إيقاع درامي تصاعدي يبدأ بهدوء نسبي ثم يتحول تدريجياً إلى ذروة من التوتر النفسي والجسدي،  ليسمح للمتلقي بالتعاطف مع الشخصيات في البداية قبل أن يشعر بالفزع من تحولاتها، ويحقق بذلك توازناً نادراً بين الترفيه والعمق الفكري الذي يدفع الجمهور إلى التفكير في طبيعة العلاقات الإنسانية تحت ضغط الخوف والطمع.

ويتميز ديكور فيلم "فندق السلام" بتصميم حرفي دقيق كتعبير عن الانسجام التام مع أجواء الرعب والثقافة المغربية الأصيلة، إذ صُمم الفندق المهجور بتفاصيل معمارية قديمة تجمع بين الطابع التقليدي المغربي والإحساس بالإهمال والغموض الذي يخدم حبكة الفيلم بشكل مثالي، واستخدم المصممون مواد طبيعية مثل الخشب العتيق والطوب التقليدي والمفروشات البالية ليخلقوا مساحات داخلية تبدو واقعية ومخيفة في آن واحد، كما أضافوا لمسات من الزخارف المغربية التقليدية مثل الزليج المتشقق والأبواب الخشبية الثقيلة والنوافذ المغطاة بالغبار لتعزيز الشعور بالزمن المتوقف واللعنة التي تحيط بالمكان، ونجح الديكور في خلق توازن بين الجمالية التقليدية والجو المظلم الذي يناسب مواجهة الشخصيات مع الجن، وهذا جعل كل غرفة وممر في الفندق تشكل خلفية درامية قوية تعمق التوتر النفسي لدى المتفرج، ويظهر هذا التصميم الحرفي العالي من خلال الاهتمام بأدق التفاصيل مثل الإضاءة الخافتة المنبعثة من المصابيح القديمة والظلال الطويلة التي تتحرك على الجدران، ليجعل ديكور الفندق عنصراً أساسياً في نجاح الفيلم كتجربة رعب مغربية متكاملة.

يُعرض الفيلم في القاعات السينمائية المغربية بعد عرضه الناجح في المهرجانات مثل مهرجان طنجة الوطني للفيلم حينما حظي باهتمام النقاد والجمهور، ويأتي هذا العرض كخطوة مهمة نحو تنويع الإنتاج السينمائي المغربي الذي طالما افتقر إلى أفلام الرعب ذات الطابع المحلي، إذ يستفيد العمل من إمكانيات شركة "جاكارندا برودكشن" التي ساهمت في رفع مستوى الإنتاج التقني رغم التحديات المالية واللوجستية المعروفة في الصناعة الوطنية.

يستكشف فيلم "فندق السلام" أبعاداً نفسية قوية من خلال تحوّل الصداقة إلى عداوة تحت تأثير اللعنة والطمع، حيث يبدأ الأبطال كمجموعة مترابطة تبحث عن فرصة للثراء ثم يتفككون تدريجياً أمام قوى الجن التي تعكس الجانب المظلم في دواخلهم، ويتميز السيناريو الذي كتبه جمال بلمجدوب بنفس طويل يسمح بتطور شخصيات متعددة الأبعاد تجعل المتفرج يعيش معهم الصراع الداخلي خطوة بخطوة، كما يستخدم المخرج تقنيات الإضاءة المنخفضة والأصوات المؤثرة لتعزيز جو الرعب النفسي دون الاعتماد المفرط على المؤثرات البصرية الباهظة، وهذا يبرز ذكاءً فنياً في استغلال الإمكانيات المتاحة، ويفتح العمل باباً جديداً لمناقشة مواضيع اجتماعية مثل هشاشة العلاقات الإنسانية أمام الرغبات المادية، ويجعل الجمهور المغربي يتفاعل مع عناصر ثقافية مألوفة مثل الجن بطريقة درامية حديثة تجمع بين الترفيه والتأمل.

يبرز أداء الممثلين في "فندق السلام" قدرتهم على تجسيد التحولات النفسية المعقدة التي تمر بها الشخصيات خلال مواجهة القوى الخارقة، حيث يقدم محمد الشوبي تفسيراً استثنائياً لشخصية تعاني من القلق والخوف المتزايد بتعبيرات وجهية دقيقة وإيقاع صوتي مدروس يعزز من توتر المشاهد، بينما تتألق سلوى زرهان في دور يجسد الضمير الإنساني الذي يتصارع مع الإغراءات واللعنة بمزيج من الحساسية والقوة الدرامية، أما بن عيسى الجيراري فيقدم أداءً يحمل بعض الجوانب الإيجابية رغم أنه يبدو أحياناً أقل عمقاً عاطفياً مقارنة بزملائه، ويساهم باقي الطاقم في بناء جو جماعي متوتر يعكس تفكك المجموعة، كما يعتمد المخرج على توجيه الممثلين بطريقة تجعل كل مشهد يحمل طبقات متعددة من المعاني النفسية والثقافية، مما يضيف قيمة فنية كبيرة للعمل ككل ويجعله يستحق المتابعة في القاعات السينمائية الوطنية.

ويحقق المخرج جمال بلمجدوب توازناً فنياً رائعاً بين مشاهد الرعب والدراما الإنسانية من خلال ترتيب دقيق للقطات والتتابعات السردية، حيث يبدأ الفيلم باكتشاف الكنز بشكل مفاجئ ثم يتطور إلى سلسلة من الصراعات النفسية والجسدية مع الجن حارس الكنز، ويستخدم تقنيات التحريك البطيء والانتقالات السلسة ليبني توتراً مستمراً يصل إلى ذروته في اللحظات الأخيرة، كما يدمج بين عناصر الثقافة الشعبية المغربية واللغة السينمائية الحديثة بطريقة تجعل العمل يبدو أصيلاً ومبتكراً في الوقت نفسه، ويواجه تحديات الإنتاج في بيئة سينمائية محدودة الإمكانيات بإبداع واضح يظهر في الديكورات والإضاءة والمؤثرات الصوتية، وهذا يجعل "فندق السلام" نموذجاً يشجع على تطوير أنواع سينمائية جديدة في المغرب ويفتح آفاقاً واسعة أمام جيل جديد من المخرجين والكتاب.