حين يتحول الدعم الأميركي لمغربية الصحراء إلى رافعة استراتيجية

 ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: الانتقال من منطق التدبير السياسي للنزاع إلى منطق البناء الاقتصادي للسلام.

في لحظة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والدبلوماسية بالاستثمار، لم تكن تصريحات السفير الأميركي بالرباط من مراكش مجرد موقف بروتوكولي عابر، بل جاءت لتعكس تحوّلًا أعمق في مقاربة واشنطن لملف الصحراء المغربية. فالتأكيد المتجدد على دعم مخطط الحكم الذاتي لا يُقرأ فقط كاستمرارية لموقف سياسي، بل كإشارة واضحة إلى انتقال هذا الدعم من مستوى الخطاب إلى أفق الفعل والتجسيد الميداني.

ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو الربط الصريح بين تسوية النزاع الإقليمي وبين دينامية الازدهار الاقتصادي. هذا الربط ليس اعتباطيًا، بل يعكس قناعة متنامية داخل دوائر القرار الأميركية بأن الحلول السياسية المستدامة تمر بالضرورة عبر بوابة التنمية. فحين يتحدث السفير عن “الازدهار” بنفس قوة حديثه عن “التسوية”، فهو يضع الاقتصاد في صلب معادلة الاستقرار، ويُعيد تعريف النزاع من كونه إشكالًا جيوسياسيًا جامدا إلى فرصة استثمارية واعدة.

الأكثر دلالة هو الحديث عن إقبال المستثمرين الأميركيين واستعدادهم لدخول الأقاليم الجنوبية. هنا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بدعم دبلوماسي، بل بإشارات ثقة صريحة من الفاعل الاقتصادي الأميركي، المعروف بحساسيته العالية تجاه المخاطر السياسية. هذا المعطى يعكس تحوّل الصحراء المغربية في نظر الفاعلين الدوليين من منطقة نزاع إلى فضاء للفرص، مدعومًا ببنية تحتية متطورة ورؤية تنموية واضحة تقودها المملكة.

في العمق، تعكس هذه التصريحات أيضًا انسجامًا مع الرؤية الملكية التي جعلت من تنمية الأقاليم الجنوبية رهانًا استراتيجيًا، ليس فقط لتعزيز الاندماج الوطني، بل لتحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي يربط المغرب بعمقه الإفريقي. ومن هذا المنظور، فإن انخراط شركات أميركية محتمل في هذه الدينامية من شأنه أن يمنح دفعة نوعية للمشاريع الكبرى، ويُضفي عليها بعدًا دوليًا يعزز جاذبيتها.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الموقف الأميركي تكمن في رسائله غير المباشرة. فهو أولًا يعزز مصداقية مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية، وثانيًا يبعث بإشارة قوية إلى باقي الشركاء الدوليين بأن الاستثمار في الصحراء ليس فقط ممكنًا، بل مرحّب به ومدعوم سياسيًا. وثالثًا، وهو الأهم، يضع خصوم هذا التوجه أمام واقع جديد تُقاس فيه المواقف بقدرتها على مواكبة التحولات، لا الاكتفاء بالشعارات.

في المحصلة، يبدو أن ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: الانتقال من منطق التدبير السياسي للنزاع إلى منطق البناء الاقتصادي للسلام. وفي هذا التحول، لا يشكل الدعم الأميركي مجرد عنصر إضافي، بل رافعة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل موازين التفاعل الدولي حول هذا الملف، وترسيخ قناعة مفادها أن مستقبل المنطقة يُبنى بالفعل، لا بالانتظار. 

 [mh1]