مالي تُعيد رسم البوصلة الإفريقية: حين ينتصر الواقعي على الوهم

تبني باماكو لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب ليس مجرد دعم دبلوماسي عابر، بل هو اصطفاف واعٍ خلف خيار يُنظر إليه دوليًا باعتباره الأكثر جدية ومصداقية.

في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية واستراتيجية، أعلنت جمهورية مالي سحب اعترافها بما يسمى "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، في تحول لا يمكن قراءته فقط كقرار سيادي معزول، بل كإشارة قوية إلى إعادة تشكيل الوعي الإفريقي تجاه أحد أكثر النزاعات تعقيدًا في القارة. إنه قرار يعكس انتقالًا نوعيًا من منطق الاصطفاف الإيديولوجي إلى منطق الواقعية السياسية الصلبة، حيث تُقاس المواقف بميزان الاستقرار والأمن الإقليميين، لا بالشعارات.

هذا الإعلان، الذي جاء على لسان وزير الشؤون الخارجية المالي عقب لقاء رفيع مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، لا ينفصل عن سياق إقليمي متغير، تتقدم فيه المقاربات البراغماتية على حساب أطروحات متجاوزة أثبتت محدوديتها. فمالي، التي تواجه تحديات أمنية جسيمة في منطقة الساحل، تدرك أن استمرار نزاع الصحراء بصيغته التقليدية لم يعد سوى عنصر توتر إضافي يعيق بناء فضاء إفريقي مستقر ومندمج.

إن تبني باماكو لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب ليس مجرد دعم دبلوماسي عابر، بل هو اصطفاف واعٍ خلف خيار يُنظر إليه دوليًا باعتباره الأكثر جدية ومصداقية. فهذه المبادرة، التي تقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة تحت السيادة المغربية، تقدم حلاً متوازنًا يجمع بين الحفاظ على الوحدة الترابية وضمان تدبير محلي ديمقراطي، وهو ما يجعلها تتقاطع مع روح القرارات الأممية، وعلى رأسها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن.

الأهم من ذلك أن الموقف المالي يعكس تحولًا أعمق داخل القارة الإفريقية نفسها. فعدد متزايد من الدول بات يعيد تقييم مواقفه من هذا النزاع بعيدًا عن إرث الحرب الباردة واستقطاباتها، مقتنعًا بأن مستقبل إفريقيا لا يمكن أن يُبنى على نزاعات مفتوحة أو كيانات غير قابلة للحياة. وفي هذا السياق، يبدو أن مالي اختارت أن تكون في صف الحلول لا في صف الأزمات.

كما أن إعلان باماكو عزمها تقاسم هذا الموقف مع المنظمات الإقليمية والدولية يعكس رغبة واضحة في لعب دور فاعل داخل الدينامية الدبلوماسية الجديدة التي تتشكل حول هذا الملف. إنها رسالة موجهة ليس فقط إلى الشركاء الدوليين، بل أيضًا إلى الدول الإفريقية التي ما تزال مترددة، مفادها أن لحظة الحسم قد حانت، وأن الاستمرار في مواقف رمادية لم يعد خيارًا مريحًا.

في العمق، لا يمكن فصل هذا التحول عن الحركية الدبلوماسية المغربية التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس، والتي نجحت في إعادة طرح قضية الصحراء ضمن مقاربة شاملة تربط بين التنمية والاستقرار والشراكة جنوب - جنوب. فالزيارات الرسمية، مثل زيارة بوريطة إلى باماكو، لم تعد مجرد بروتوكول، بل تحولت إلى أدوات فعالة لإعادة بناء التوازنات الإقليمية على أسس جديدة.

إن قرار مالي ليس نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة تتكرس فيها قناعة متزايدة بأن الحل الواقعي لنزاع الصحراء يمر عبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. مرحلة تتراجع فيها الأوهام لصالح الحقائق، ويعلو فيها صوت الاستقرار على ضجيج الشعارات.

هكذا، لا تعيد مالي فقط ضبط بوصلتها الدبلوماسية، بل تساهم أيضًا في توجيه البوصلة الإفريقية نحو أفق أكثر وضوحًا: أفق تُحل فيه النزاعات بالحكمة، وتُبنى فيه الشراكات على أساس المصالح المشتركة، لا على حسابها.