خطـر 'اتفقنا علـى أن لا نتفق'
في سياق دهاليز السياسة والهوية الثقافية، يصبح التصنيف ثنائياً بشكل يختزل الأمور في خيارين: إما أن تكون مع طهران أو مع الخليج؛ معتبراً أن عدم الانحياز لطهران يعني تلقائياً أنك تدعم إسرائيل، وأن الانحياز للخليج يعني بالضرورة عدم دعم طهران. هذا التصور يظهر كيف أن الأطر الفكرية السائدة تستخدم لغة ثنائية تصادر الواقع وتختزل تنوعه وتعقيده، مما يعزز من حالة الانقسام والتوتر.
وبذلك، وراء هذا اللغز الثقافي تتداخل تطورات تاريخية معقدة، حيث تتشابك الأحداث وتختلط الأوراق، مما يجعل التصنيف والتحليل السطحي غير دقيق، بل ويطمس الحقائق التي لا يجوز القفز عليها، خاصة تلك التي يراها الطرف الآخر حقائق ثابتة وأساساً في فهم المشهد الإقليمي. فهناك مصالح متشابكة، واعتبارات تاريخية، وأبعاد جيوسياسية لا يمكن تبسيطها إلى مجرد انتماءات أو دعم طرف معين.
أما على الجانب الآخر، فهناك من يرى أن محاولة احتواء الصراعات عبر النضال السياسي، مع احترام التعددية والانفتاح على الحوار، هو السبيل الأمثل لتجاوز مثل هذه الألغاز؛ وهو موقف يواجه أحياناً مقاومة من قبل المؤدلجين الذين تدعمهم عفوية الجماهير، حيث يعتبرون أن هذا التوجه يخالف المواقف "النبيلة" التي يروجون لها أو يفرضها الواقع. وفي النهاية، فإن فهم هذه المعادلة يتطلب إدراكاً عميقاً لتعقيدات ما تواجهه المنطقة، بعيداً عن التصنيفات السطحية.
دقيقة من فضلك
تظهر في الآونة الأخيرة الخلافات السياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا والدول الصناعية، وعلى الرغم من حدتها وتسليط الضوء على ملفات حيوية مثيرة للجدل، إلا أنها لم تؤدِّ إلى صراع مباشر أو مواجهة مسلحة بينهم. ويأتي ذلك نتيجة تباين الآراء حول قضايا حساسة مثل الحرب في أوكرانيا، وإيران، والقضية الفلسطينية، وصعود التيار اليميني المتطرف بقيادة ترامب. هذا التباين، رغم عمقه، يعكس في الوقت ذاته قدرة تلك الأطراف على إدارة الخلافات بشكل سلمي، مما يدل على نضج سياسي واستعداد لتجنب التصعيد العسكري فيما بينهم.
وفي الإطار نفسه، تتناول إشكالية انعكاسات حرب غزة وإيران على المجتمع العربي تداعياتٍ تنذر بانقسامات داخل الصفوف الشعبوية، قد تؤدي إلى حروب محلية يغذيها التطرف. حيث تبرز هذه الخلافات على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الموالي الذي يفتقر غالباً لروح التسامح وسلامة الرأي، مما يجعل من هذا المشهد أدوات سهلة الاستغلال من قبل الأعداء الذين يوظفون هذه التباينات لتحقيق مصالحهم، على حساب ثقافة تعاني أصلاً من أفكار متشددة مليئة بأجندات تخريبية كنهج وفكر غامض.
إجمالاً، يمكن القول إن المشهد الحالي يجبرنا على تسليط الضوء على حقيقة مهمة، وهي أن الاختلافات التحليلية والمواقف السياسية، إذا لم تعالج بحكمة، قد تسهم في تفتيت وجودية هويتنا كشعوب عربية، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية التي تستغل الانقسامات لإعادة رسم خارطة المنطقة. من هنا، تبرز الحاجة إلى العمل على تعزيز ضبط الخلافات الداخلية لضمان التصدي بصلابة أمام التحديات المحلية المتجهة نحو الانفلات.
إدارة الصراع الذهني
تظهر في واقعنا العربي المعاصر فلسفتان متباينتان في مقاربة قضايا الصراع والسلام، ولكل منهما مبرراتها وأهدافها التي تنبع من واقعها وظروفها. الأولى: تتبنى رؤية السلام كخيار استراتيجي، وتؤمن بأنه السبيل الأنجع لتجنب الدمار والدماء، وذلك من باب التجربة، وتترك الحلول المرجوة للزمن ليكون كفيلاً بها؛ وهو النهج الذي اختارته دول مثل مصر والأردن في صراعها التاريخي مع إسرائيل، مستندة إلى مبررات الحفاظ على استقرار شعوبها وأمنها، وتقديم مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى. هذه الفلسفة تضع في الاعتبار أن السلام هو الأساس لبناء مستقبل مستدام والذهاب إلى خيار النضال السياسي الحذر، وأن التنازلات المؤقتة قد تكون ضرورية أحياناً نظراً لضخامة وحدة الأزمة.
أما الثانية: فهي فلسفة المواجهة والتصعيد، والتي تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق الأهداف، ولو أدى ذلك إلى تدمير البنى التحتية وإشعال فتيل الصراعات الإقليمية؛ كما هو الحال مع بعض الأطراف مثل حزب الله، وحماس، وإيران، والحوثيين، الذين يرون في المواجهة وسيلة لتحقيق أهدافهم المؤدلجة، حتى لو كانت نتائج ذلك تدمير دول وشعوب بعينها، وإحداث فوضى عارمة في المنطقة. هذه الرؤية تتبنى العنف كأداة لضمان نفوذها، وترى أن السلام لا يمكن تحقيقه إلا إذا فُرض بالقوة، حتى وإن لم تكن القوى متوازية مع الخصم.
ورغم ما لكل من هذين التوجهين من مبررات فلسفية، إلا أن النقطة الأهم تكمن في كيفية إدارة هذا الخلاف والتباين من قبل الرأي والرأي العربي الآخر، خاصة في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها منطقتنا. فالمطلوب اليوم هو أن نتحلى بحكمة التعامل مع هذه الاختلافات بحيث لا تتحول إلى أدوات تدمير ذاتي تتيح للأعداء استغلال ضعفنا وانقساماتنا - وللأسف هذا ما يحدث بالضبط - في حين أن الحكمة في إدارة الاختلافات يمكن أن تفضي إلى تفاهمات تضمن استيعاب رأي الجميع، وتحول دون تحول الصراع إلى كارثة نندم عليها جميعاً.
إن التوجهين لهما مزاياهما وعيوبهما، فكل منهما يعكس وجهة نظر ومرتكزات مختلفة تتطلب فهماً دقيقاً. والأهم في هذا السياق هو كيفية إدارة هذه الخلافات بشكل يضمن عدم تصعيدها وتحولها إلى صراعات محلية، بل جعلها وسيلة لتعزيز التفاهم والتوافق. إذ إن سوء إدارة الخلافات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يصبح المتضررون الحقيقيون هم نحن، في حين يرقب العدو ضعفنا وانقساماتنا ويهزمنا خلسة، مستغلاً الفرص لتحقيق مكاسبه على حساب وحدتنا وتماسكنا. لذا، فإن المسؤولية تكمن في تبني أساليب إدارة حكيمة، تعتمد على الحوار، والتواصل الفعّال، والبحث عن نقاط الالتقاء؛ لضمان أن تبقى الأهداف العليا في متناول اليد، وأن نتصدى للتحديات بقوة ووعي، بدلاً من أن نكون ضحايا لصراعاتنا غير المدارة، التي تحول الشعارات والمصطلحات الرنانة إلى حكايا تروى في الملاجئ والمخيمات عبر النزوح والتهجير الذي يضرب أطنابه في معظم دولنا العربية.