صفعة للواقع وتتويج للإبداع.. كيف عرّى 'وين ياخذنا الريح' أوجاع الشباب التونسي؟

فيلم المخرجة آمال القلاتي ينجح في اكتساح منصات التتويج المحلية والدولية بتقديمه رؤية سينمائية شاعريّة وجريئة تلامس واقع أحلام 'الجيل زاد' وأوجاعه وهشاشته.

 بين أزقة العاصمة التونسية وأحيائها المهمّشة، وطرقات الجنوب الممتدة، تنسج المخرجة التونسية ''آمال القلاتي'' في فيلمها الروائي الأول "وين ياخذنا الريح" ملحمة سينمائية تنضح بالشجن والأمل في آن واحد، ولا تخلو من نفحات ''كوميديا الموقف''.

مع مطلع عام 2026، حطّ هذا العمل رحاله في القاعات التونسية، محملاً بهالة من الاحتفاء الدولي، إذ توّج الفيلم مسيرته السينمائية الحافلة بحصاد استثنائي من الجوائز المرموقة التي كرسته كأحد أهم الإنتاجات العربية، فإلى جانب حصوله على جائزة "أفضل فيلم روائي عربي" في مهرجان الجونة السينمائي، نال الفيلم تقديرًا دوليًا بفوزه بجائزة "النحلة الذهبية" لأفضل فيلم طويل في مهرجان مالطا، فيما شهدت منصة أيام قرطاج السينمائية احتفاءً محليًا واسعًا بالعمل عبر منحه جائزة الجمهور، وجائزة أفضل سيناريو، بالإضافة إلى جائزة نقابة الصحفيين لسينما حرية التعبير، ليجمع بذلك بين الاعتراف النقدي العالمي والارتباط الجماهيري العميق.

يفتتح فيلم ''وين ياخذنا الريح'' مشاهده بوضعنا أمام شخصيتين هما خلاصة ''جيل الخيبات'' الذي تلا أحلام 2011، ''عليسة'' المراهقة، ليست مجرد تلميذة مشاغبة، بل هي طاقة متمردة سجينة جسد فتاة ترفض أن يبتلعها رماد الأحياء الشعبية الفقيرة، تحوّل سماعات أذنيها إلى درع، والموسيقى الصاخبة إلى فضاء بديل تطير فيه الصديقات وتتفتح فيه الورود الخضراء الخلابة فوق ذراعيها، في هروب مجازي من واقع يفرض عليها مسؤوليات عائلية ومالية تفوق سنها بكثير.

في المقابل، يبرز ''مهدي'' الشاب الذي يكبرها بأعوام قليلة، كخريج هندسة حاسوب انكسرت أحلامه على صخرة البيروقراطية "أرجع غدوة" (عُد غدا). هو الشاب الهادئ الذي تعلّم إخفاء أحلامه في زوايا الصمت، لا يجد مفرا من واقعه المظلم إلا عبر ريشة الألوان،  يرسم ما يتمناه، مؤمناً بأن النجوم تحرس أحلام المهمشين، وأن الريح تخبّئ حكايات سرية لا يفهمها إلا من ضاقت به الأرض.

رحلة الطريق

يتحوّل الفيلم إلى "رود موفي" (Road Movie) ساحر، حين يقرّر الصديقان قطع مسافة 500 كيلومتر من العاصمة الصاخبة نحو جزيرة ''جربة'' للمشاركة في مسابقة رسم قد تكون "تأشيرة" الخلاص نحو ألمانيا. حلم مهدي الذي تماهت معه عليسة وقررت دفعه للمحاربة من أجل تحقيقه، فكانت أكثر من مجرد صديقة داعمة، بل تحوّلت في أكثر من محطة إلى المحرّك الرئيسي للأحداث.

على هذا الطريق، تتحوّل تونس إلى بطلة ثالثة؛ نرى أشجار الزيتون الممتدة شاهدة على التاريخ والثراء الطبيعي، والسواحل المتوسطية التي تداعبها الأمواج بنبض القلب. لكن هذه الرحلة ليست سياحية، بل هي اختبار قسري للهوية؛ حيث تصطدم السيارة والروح بمطبات الفساد، وإضرابات النقل، ونظرات الأثرياء الذين يعيشون في فقاعات منفصلة تماما عن أنين الشعب. هنا، يتجلى الصراع الطبقي في أدق تفاصيله، وتظهر الهجرة كهدف انتحاري يضحّي من أجله الشابان بكل شيء، حتى بالروابط الأسرية المتمزقة سلفا تحت وطأة المرض والحاجة.

جماليات الهامش وفلسفة الهرب

نجحت المخرجة آمال القلاتي في دمج العناصر السمعية والبصرية لخلق تجربة حسية متكاملة. فالألوان الزاهية في الأزياء والرسومات المنبثقة من خيال عليسة تكسر حدة "السوداوية" المتوقعة، والموسيقى التونسية البديلة لفرق شبابية مثل ''Yuma'' و''Alfa'' تمنح الفيلم نبضا تجديديا، بعيدا عن كلاسيكيات جيل الآباء الذين نراهم في العمل إما غائبين أو أنهكهم الحزن والاكتئاب.

لم تكن الحرية في "وين ياخذنا الريح" شعارا سياسيا يُرفع في الساحات، بل هي تلك اللحظات الصغيرة التي يدخّن فيها الشابان ''القنب الهندي''، أو يتأملان البحر وهما يدركان أن "الجنة" قد لا تكون على الضفة الأخرى، ولكن البقاء في المكان هو الموت المحقق.

خاتمة ''على ريح القلق''

بين عليسة التي تكتشف معنى اسمها كأميرة قرطاجية تبني مملكة من جلد ثور، ومهدي الذي يرحل مخلفاً وراءه لوحات تنطق بما عجز اللسان عنه، يتركنا الفيلم أمام حقيقة وجودية كبرى: أن الريح تسكن في الداخل قبل أن تهب من الخارج. 

لا ينتهي الفيلم بإجابة شافية، فالعنوان التونسي "وين ياخذنا الريح" يعكس تلك الضبابية التي تلف مستقبل الشباب، لكننا ندرك أن الأبطال قد تغيروا من الداخل، انتصروا على السكون والاستسلام، وأثبتوا أن أصغر حلم فردي هو في جوهره فعل مقاومة.

يعتبر العمل شهادة سينمائية صادقة عن تونس التي تتأرجح بين خيبة المسار السياسي وإصرار جيلها الجديد على اكتشاف مسارات بديلة للحياة والحرية.