أيمن الدبوسي: 'انتصاب' سردي في وجه عالم يغرق في الزيف
يقف أيمن الدبوسي في المشهد الأدبي التونسي المعاصر كعلامة فارقة، يكتب بحكمة المختص النفسي وروح المتمرّد اللاسلطوي. قضى سنوات في دهاليز مستشفى الرازي بمنوبة، ولم يخرج من هناك بتقرير طبي، إنما بنصوص ملغومة ترفض الانصياع للذائقة العامة أو المعايير الأخلاقية الجاهزة.
أحدث صدور كتاب "أخبار الرازي" عام 2017 ضجيجا واسعا في تونس، تجاوز أسوار الأدب ليقتحم ردهات مستشفى ''الرازي'' للأمراض العقلية، حيث أثار الظهور الإعلامي لأيمن الدبوسي موجة من الغضب والجدل بين زملائه السابقين من الإطار الطبي والتمريضي الذين اعتبروا نصوصه وتصريحاته مسيئة للمؤسسة ولحرمة المرضى. وصل الأمر حد تحريك عريضة احتجاجية ضده تعبيرا عن رفضهم لما اعتبروه خلطا بين الواقع والتخييل الأدبي.
انحياز إلى الجنون
تمسك الدبوسي بحقه في حرية الإبداع، مؤكدا أن شخصياته هي محض "كائنات ورقية وتخييلية" لا تعكس أشخاصا حقيقيين بل هي استعارات أدبية لتشريح حالة البؤس الاجتماعي والوجودي التي يعاينها المختص النفسي في بيئة موحشة. ومن مفارقات ما بعد النشر أن هذا الصدام عزّز من حضور الكتاب كوثيقة أدبية مشاكسة ترفض الوصاية المهنية وتصر على تعرية المسكوت عنه في التعامل مع "المختلف" والمهمش داخل المجتمع التونسي.
وينحاز الدبوسي بلا مواربة لمرضاه ضد عقلانية المجتمع الزائفة. ففي مجموعته "أخبار الرازي" يقلب الأدوار: فالمكان الموحش "الذي تفوح منه رائحة السجائر المنقوعة في البول" هو مأوى للبؤساء والفقراء والهاربين من جحيم العائلة والوظيفة. ويكتب عن الجنون بوصفه تهمة اجتماعية تُلصق بكل من عجز عن مسايرة قطيع الأسوياء. قدرته السردية فائقة في تحويل العيادة النفسية إلى مسرح كوني، حيث يصبح "الرجل الأخضر" رمزا لفقر فاحش يغيّر كيمياء الجسد، وتتحول "المنفردة" إلى فضاء للاكتشاف الوجودي الصرف.
''ثورية'' ضد ''الارتخاء''
اقتحم الدبوسي الساحة الأدبية فتيّا ثائرا، برواية "انتصاب أسود" عام 2016، محدثاً زلزالا نقديا تجاوز حدود الأدب الإيروتيكي. قدّم الرواية كبيان لاسلطوي (Anarchist) يدعو لتدنيس المقدس وكسر الكبح الثقافي عبر الاحتفاء بالجسد في أقصى تجلياته الفوضوية. بالنسبة إلى الدبوسي، يمثل الانتصاب فعلا ثوريا ضد ''الارتخاء الأخلاقي والسياسي'' السائد.
أما في مجموعته القصصية "انقلاب العين"، فيواصل الدبوسي رحلته في سبر أغوار النفس البشرية لكن من زاوية أكثر مكرا سرديا، حيث يحيلنا العنوان ذاته إلى تلك الحالة الفيزيائية والروحية التي تسبق الغيبوبة أو الوجد أو حتى الموت، وهي لحظة الانفصال عن الواقع المرئي للنظر إلى "الداخل". في هذا العمل، يمزج الدبوسي بين خلفيته كمختص نفسي وبين لغته الأدبية الموغلة في السخرية السوداء، ليرسم بورتريهات لشخصيات تعيش على حافة الانهيار. القصص هنا هي "انقلابات" صغيرة على الرتابة وعلى الصورة النمطية للإنسان "السويّ"، حيث يبرز اهتمام الكاتب بالهامش، وباللحظات التي تخرج فيها الغريزة عن السيطرة، مستخدماً تقنيات وصفية مجهرية تجعل القارئ يشعر بالقلق والتوتر، وكأنه يراقب جلسة علاج نفسي سرية تتحول فجأة إلى مشهد سريالي.
تتفق هاتان التجربتان، مع "أخبار الرازي" و"حلم الحلزون"، في أن الدبوسي لا يكتب ليريح القارئ، بل ليزعجه ويدفعه إلى "انقلاب" خاص في رؤيته لذاته وللمجتمع.
هو يستخدم مفاهيم التحليل النفسي ليعيد صياغتها أدبيا في قالب يجمع بين الفظاعة والجمال، بين "القيء" الوجودي وبين "الشهوة" بوصفها المحرّك الوحيد الصادق في عالم يملؤه الزيف والادعاءات العقلانية. الكتابة عنده هي عملية "استمناء" ذهني، فعل طبيعي للتخلص من تراكمات الكبت التاريخي، ودعوة مستمرة للمغامرة في مناطق الوعي التي نخشى جميعا الاقتراب منها.
خبرة نفسية..ورؤية سوداوية
ففي أحدث مغامراته السردية "حلم الحلزون" عام 2025، ينتقل الكاتب إلى الخيال العلمي الديستوبي، مصورا "الجمهورية الأهلية الوسطى" تحت حكم "الراعي الأبدي". هنا، يدمج خبرته النفسية برؤية سوداوية للمستقبل، إذ يجسد مفهوم الجسد الهجين عبر تحويل لقاء جنسي عابر في مصعد بين نور وملاك إلى حالة انصهار عضوي فريدة تجعلهما كيانا واحدا يشبه الحلزون في اندماجه وتكامله ليفجر من خلال هذا التلاحم ثورة الرغبة التي تطرح تساؤلا جوهريا حول قدرة الشهوة الفردية على إسقاط نظام شمولي يراقب كل شيء عبر الشاشات ويحكم قبضته على الوعي.
وبينما ينسج هذه العوالم يمارس الدبوسي نوعا من اللعب السردي الماكر حيث يتهكم على التقنيات الروائية التقليدية، مستحضرا مرجعيات متباينة تبدأ من كهف أفلاطون ولا تنتهي عند سينما 'تارنتينو'، مع براعة لافتة في تعريب وترجمة مفاهيم نفسية وفلسفية معقدة مثل ''الأليف اللاموصوف'' لإضفاء عمق معرفي على تجربة التخييل الديستوبي.
تعتمد لغة الدبوسي على النبض الحي، تقتنص التفاصيل القاسية لتعكس الواقع بمرارة وسخرية سوداء. ينظر للعالم من الأسفل، من زاوية المهمشين والمغتصبات والمنتحرين ومرضى التوحد. يرى أن الخلاص يبدأ بلحظة شجاعة للعري المادي والرمزي، حيث يتوحد الكل بعيدا عن قيود وزارة الحوكمة الرقمية.
"ويل لمن لا يملك قصّة، فمن لا يملك قصّة يتبدّد في الفراغ" (حلم الحلزون)
يمكن القول إن أيمن الدبوسي هو الكاتب الذي ترفّع عن الحكمة التقليدية، واختار أن يكون ذلك ''المعتوه'' الذي درس علم النفس ليكتشف في النهاية أن المجتمع هو المريض الحقيقي، وأن الكتابة هي المسكن الوحيد المُتاح قبل أن ينتهي العالم.