أنطولوجيا الأثر والذاكرة في 'تراب العابرين'
يُعدّ كتاب "تراب العابرين" للخزاف الكويتي علي العوض وثيقة فنية فلسفية، تتجاوز في طرحها البعد التقني لفن الخزف لتغوص في ميتافيزيقيا المادة وعلاقتها بالوجود الإنساني. في هذا العمل، لا يقدم العوض مذكرات خزاف فقط، بل يطرح بياناً فنياً نفسياً يعيد تعريف العلاقة بين المبدع وكتلة الطين، معتبراً إياها مخزناً للذاكرة وسجلاً غير مكتوب لخطوات الراحلين يستهل العوض أطروحته بتفكيك مفهوم المادة. بالنسبة إليه، الطين ليس مادة خاملة تنتظر التشكيل، بل هو كائن حي يحمل شيفرة العصور السابقة.
يحلل الكاتب عملية التشكيل بوصفها استنطاقاً للمادة هذا المنظور يتقاطع مع المدارس الفنية المعاصرة التي تنادي بالعودة إلى نقاء الخامات النبيلة، ويضيف العوض إليها بُعداً محلياً وجدانياً يربط بين تراب الأرض الكويتية وبين حكايات الأجداد والراحلين الذين امتزجت أجسادهم وأحلامهم في هذا التراب.
ينتقل التحليل النقدي في الكتاب إلى مستويات أعمق عند تناول مفهوم الأثر. يطرح العوض تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للخزف، كفن بصري ملموس، أن يجسد الغياب؟ هنا تبرز فكرة تراب العابرين؛ حيث تتحول الثقوب، والشقوق، والملامس الخشنة في أعماله الخزفية إلى علامات سيميائية تشير إلى أرواح العابرين.
القطعة الخزفية عند العوض لا تمثل شكلاً جمالياً بقدر ما تمثل وعاءً للزمن، حيث تندمج تقنيات الحرق والأكسدة لتعطي إيحاءً بالقدم والتحلل والبعث في آن واحد.
من الناحية المهنية، يتطرّق الكتاب إلى سلوك الخزاف داخل المرسم. يصف العوض حركة الدوران على العجلة كفعل صوفي يربط بين مركز الأرض ومركز الذات. هذا التحليل للعملية الإبداعية يمنح الكتاب قيمة مرجعية في علم جماليات فن الخزف ، حيث يتم فحص العلاقة بين اللمس والضغط وبين الناتج البصري النهائي. كما يناقش أدب الحريق، معتبراً أن النار هي المرحلة التي يتنازل فيها الفنان عن سلطته لصالح العمل الفني، وهو طرح فلسفي يعكس نضج التجربة الفنية للعوض.
إن أهمية تراب العابرين تكمن في إعادة تموضع الخزف العربي عالمياً وقدرته على مد جسر بين الممارسة الحرفية التقليدية وبين الفلسفة الجمالية الحديثة. إنه يقدم الخزاف العربي كصاحب رؤية عالمية، قادرة على تحويل الطين من خامة بناء إلى وسيط تعبيري يحمل مفهوم للأسئلة الوجودية.
هذا الكتاب إضافة للمكتبة الفنية العربية، ومرجع للدراسات المقارنة في فنون الشرق الأوسط، مما يجعله نصاً جديراً بالدراسة حيث يقدم قراءة معاصرة للهوية من خلال الأثر وذاكرة الأرض، إنه دعوة للاحتفاء بالجمال.