هشام العسري: حرية الإبداع هي أكسجين الفنان

المخرج المغربي يتحدّث في هذا الحوار عن كواليس أخر أفلامه المُثيرة للجدل 'المطرود من رحمة الله' ويطرح رؤيته للفن والحرية.

أثار فيلم ''المطرود من رحمة الله'' للمخرج المغربي هشام العسري جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية، حتى قبل عرضه، بسبب عنوانه الجريء وما أُثير حول مضمونه من تأويلات متباينة، إذ انقسمت الآراء بين من اعتبر العمل محاولة فنية جريئة لطرح أسئلة حساسة ترتبط بالدين والمجتمع والسياسة، وبين من رأى فيه مساساً بالمقدسات، في ظل مناخ لا يزال يشهد توتراً في التعاطي مع حرية التعبير والإبداع الفني.

كان لموقع "ميدل ايست اونلاين" حوار مع المخرج المغربي هشام العسري حول كواليس آخر أعماله، وفيما يلي نص الحوار:

ما الفكرة الأساسية التي أردت إيصالها من خلال فيلم ''المطرود من رحمة الله''؟

لا أومن بأن الفيلم السينمائي يجب أن يكتفي بتقديم "رسالة" تعليمية أو أخلاقية، فالسينما بالنسبة لي هي بحث مستمر في أدوات التعبير، وكتابة بصرية تتصارع مع الآلة السينمائية لإنتاج مقترح فني متفرد، إذ أحرص دائماً على ألا أكرر نفسي، فكل عمل هو مغامرة فنية وتحدٍ تقني يختلف عما سبقه، بينما في فيلمي "المطرود من رحمة الله"، اخترت الانتماء لنمط "السينما السوداء" التي تغوص في عوالم الجريمة، متتبعاً مسار شخصية تائهة في دوامة من التعقيدات، وهذه الفكرة المرتبطة بـ "الفتوى" التي صدرت ضد سلمان رشدي، راودتني منذ قرابة عشر سنوات، وظلت تختمر في ذهني لتتحول إلى رمز لحقبة نعيشها اليوم؛ حقبة يطغى فيها التعصب ويُستغل فيها الدين لخدمة مصالح سياسية وشخصية ضيقة، خاصة في ظل التحولات التي تلت الربيع العربي، ورغم أن العمل تعرض للهجوم حتى قبل عرضه بناءً على عنوانه فقط، إلا أن هذا يعكس سوء فهم للغة السخرية السينمائية التي أعتمدها، ويؤكد حاجتنا لسينما مستقلة تقاوم الابتذال والتنميط الذي تفرضه الموجات الاستهلاكية.

 كيف ترد على من اعتبر بعض مشاهد الفيلم مساسًا بالمقدسات الدينية؟

الحرية هي جوهر الفعل الإبداعي، وهي الفارق الجوهري بين السينما والتلفزيون؛ فالتلفاز يظل رهيناً لـ "طقوس الضيافة" والحدود الاجتماعية، حينما يتجنب الخوض في ثالوث الدين والجنس والسياسة، بينما يجب أن تظل السينما فضاءً مفتوحاً لمساءلة كل شيء دون خطوط حمراء، في حين  لا أرى أننا نعاني من رقابة تمنع الأفكار لذاتها، لأننا نحتاج إلى وعي مؤسساتي يطبق أنظمة التصنيف العمري لحماية القاصرين دون المساس بحق البالغين في مشاهدة أعمال ناضجة،  كشغف يتطلب زاداً ثقافياً ومرجعيات فنية وتاريخية صلبة، فالسينما في نظري طبقات؛ أدناها الترفيه البسيط، ثم المستوى الثقافي، وصولاً إلى الأرقى وهو المستوى "الفني" الذي يبرز فيه نضج المخرج في صياغة لغته الخاصة، لأن ما ينقصنا فعلاً هو سينما تشبهنا وتنبثق من عمق واقعنا، لا سينما تبدو وكأنها "مترجمة" أو منقولة عن قوالب جاهزة لا تمت لهويتنا بصلة.

 إلى أي مدى تؤثر الرقابة أو التهديدات القانونية على اختياراتك الإخراجية؟

إن تمسكي برفض مقص الرقابة ينبع من إيماني العميق بذكاء الجمهور وقدرته على استيعاب القضايا الشائكة إذا قُدمت له بصدق وإخلاص فني، فلا يمكننا أن نتطور كمجتمع إذا استمررنا في حالة الإنكا، ومن منظور علم النفس فإن مواجهة الحقيقة هي أولى خطوات التعافي والارتقاء، لأن الفيلم السينمائي يجب أن يكون مرآة، حتى وإن كانت تعكس جوانب مؤلمة أو مظلمة، لأن التصالح مع الذات يبدأ من الاعتراف بالواقع، إذ إنني أصر على تقديم سينما تحترم عقل المشاهد وتدفعه للتفكير، بعيداً عن الكوميديا الهابطة التي تحاول تبسيط كل شيء وتسطيح الوعي الجماعي، فالفن هو موقف قبل كل شيء، ومسؤوليتي كصانع أفلام هي الحفاظ على استقلالية رؤيتي وعدم الرضوخ للضغوط التي تحاول تدجين الإبداع أو حصره في قوالب ضيقة، لأن الحرية هي الأكسجين الذي يتنفسه الفنان ليتمكن من الاستمرار في العطاء والبحث عن الحقيقة الجمالية.

هل ترى أن الصدمة البصرية وسيلة ضرورية في السينما لإيصال الرسالة؟

لا يمكنني تصور ممارسة العمل السينمائي دون شغف حقيقي يتجاوز حدود الوظيفة أو التدبير الإداري الجاف؛ فالسينما تتطلب مرجعيات ثقافية وفنية وتاريخية رصينة لكي يكون المقترح الجمالي ذا قيمة، في حين أننا نعاني من السينما التي تفتقر للهوية، تلك الأعمال التي تبدو وكأنها مترجمة عن لغات أو ثقافات أخرى ولا تعكس نبض مجتمعنا المغرب، لأن للعمل السينمائي في نظري مستويات تتدرج من الترفيه البسيط كأدنى طبقة، وصولاً إلى المستوى الفني الخالص الذي يعكس نضج المخرج وتمكنه من أدوات الكتابة السينمائية، وتقيى إن غايتي هي المساهمة في تأسيس سينما تشبهنا، تنبثق من عمقنا الحضاري والواقعي، وتخاطب العالم بلغة عالمية دون أن تفقد أصالتها المحلية.

 هل كنت تتوقع هذا الجدل قبل طرح المقطع الترويجي؟

إن الانتقادات والجدل الذي يسبق عرض أعمالي أحياناً، كما حدث مع فيلم "المطرود من رحمة الله"، لا تزيدني إلا إصراراً على منهجي الفني؛ فالهجوم المبني على الافتراضات أو العناوين فقط يعكس خللاً في فهم جوهر السخرية السينمائية، لأن السينما بالنسبة لي هي موقف أخلاقي وجمالي قبل كل شيء، ومسؤوليتي كصانع أفلام هي الحفاظ على استقلالية رؤيتي وعدم الرضوخ لأي ضغوط تحاول حصر الإبداع في قوالب ضيقة أو مواضيع نمطية. ويجب أن تظل السينما فضاءً للبحث والمغامرة، وقادرة على اقتحام مناطق الظل في المجتمع بجرأة فنية، لأن دور الفن هو إثارة الأسئلة الجوهرية التي تساهم في الارتقاء بالوعي الإنساني والجمالي.

 كيف توازن بين التعبير الفني واحترام حساسيات المجتمع؟

أعتبر أن كل تجربة سينمائية جديدة هي بمثابة مغامرة فنية فريدة، حينها أحاول دائماً استكشاف مناطق بصرية وتعبيرية لم أتطرق إليها من قبل، لأن السينما بالنسبة لي هي وسيلة للبحث في أعماق النفس البشرية وتفكيك الظواهر الاجتماعية المعقدة، وهذا الشغف هو ما يدفعني للتدقيق في كل تفاصيل الكتابة والإخراج، لضمان تقديم عمل يتجاوز حدود الترفيه العابر ليصبح مادة ثقافية وفنية دسمة، كما يهمني جداً أن يجد المشاهد نفسه في أعمالي، عبر الغوص في الجوهر الإنساني المشترك، مع الحفاظ على لغة سينمائية متطورة تواكب العصر وتحترم الموروث الثقافي في آن واحد.

 ما الرسالة التي توجهها للمنتقدين الذين طالبوا بوقف عرض الفيلم أو تعديله؟

أرفض تماماً فكرة السينما المهادنة التي تحاول إرضاء الجميع على حساب الحقيقة الجمالية، إذ إن كل كادر أصوره وكل جملة حوار أكتبها هي جزء من مشروع فكري متكامل يهدف إلى خلخلة اليقينيات وفتح آفاق جديدة للتفكير، بينما نحن نعيش في عصر يتسم بالسرعة والسطحية، ودورنا كصناع أفلام هو تقديم أعمال تتسم بالعمق والديمومة، وتستطيع الصمود أمام اختبار الزمن من خلال لغة سينمائية متجددة تحترم وعي المتلقي وتشاركه في عملية بناء المعنى.

وأعتقد أن الاحترام الحقيقي للمشاهد يبدأ من خلال تقديم مادة تحترم ذكاءه ولا تستصغره، إذ لا يجب على السينمائي أن ينساق خلف ما يطلبه الجمهور افتراضاً،  وإنما عليه أن يرفع من مستوى الذوق العام من خلال مقترحات جمالية مبتكرة، فالسينما الصادقة هي تلك التي تلمس الجرح وتكشف المسكوت عنه بأسلوب فني رفيع، بينما  أسعى دائماً لخلق حالة من التفاعل الوجداني والفكري مع المتلقي، بحيث لا ينتهي الفيلم بمجرد خروجه من قاعة العرض، وإنما يستمر معه كسؤال مفتوح يحثه على إعادة النظر في الكثير من المفاهيم السائدة حول الفن والحياة والمجتمع. 

ويبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه السينما المغربية اليوم هو الموازنة بين المحلية والعالمية، فالفيلم لكي يصل إلى العالم، يجب أن يكون غارقاً في محليته وصادقاً في التعبير عن بيئته، ولكن بلغة سينمائية يفهمها الجميع، إذ أؤمن بأن صدق التجربة الإنسانية هو الجسر الذي يعبر بنا نحو الآخر، ومن هنا فإنني أركز في أعمالي على تفاصيل الشخصيات المغربية وهواجسها البسيطة والمعقدة في آن واحد، محاولاً صياغتها في قالب بصري يحترم خصوصيتنا الثقافية وينفتح في الوقت نفسه على المنجز السينمائي العالمي، بعيداً عن الاستلاب أو التقليد الأعمى للنماذج الجاهزة.