عقبات جديدة تعترض توحيد الميزانية العامة في ليبيا

سبعة أعضاء بالمجلس الأعلى للدولة يتحفظون على اتفاق الإنفاق العام الموحد معتبرين أنه يمثل ترتيبات مالية مؤقتة لتقاسم الموارد في ظل استمرار الانقسام.

طرابلس – مع توصل ليبيا إلى اتفاق لتوحيد الميزانية العامة، في محاولة لإنهاء حالة التشتت المالي التي رافقت سنوات الانقسام السياسي، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي في البلاد، ظهرت عقبات جديدة تمثلت بتحفظ أعضاء بالمجلس الأعلى للدولة على الاتفاق، في حين حثت البعثة الأممية جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق على ضمان تنفيذه، وإتاحة "رقابة صارمة" على الإنفاق العام في جميع أنحاء البلاد.

وأعلن سبعة أعضاء بالمجلس الأعلى للدولة تحفظهم على "اتفاق الإنفاق العام الموحد"، معتبرين أنه يمثل ترتيبات مالية موقتة لتقاسم الموارد في ظل استمرار الانقسام، دون معالجة جذرية للأوضاع المعيشية أو الحد من استنزاف المال العام.

وقال الأعضاء، في بيان مشترك، إنهم تابعوا ما أُثير حول الاتفاق المالي بين الحكومتين في ليبيا، مؤكدين أن المجلس الأعلى للدولة يدعم أي خطوات من شأنها تعزيز الاستقرار المالي والإداري. غير أنهم شددوا على أن هذه الترتيبات تثير تحفظات تتعلق بالشفافية وسلامة الإجراءات، نظرًا لصدورها دون تخويل أو تفويض رسمي من المجلس.

وجاء الاتفاق في ظل انقسام سياسي وعسكري تشهده البلاد، بين حكومة الوحدة الموقتة المنهية ولايتها، وحكومة البرلمان في بنغازي. وفي ظل غياب ميزانية موحدة للبلاد، اعتمدت الحكومتين على الإنفاق "الموازي المزدوج" الأمر الذي فاقم الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد. وأدى هذا الوضع إلى تضارب في الإنفاق، وغياب الشفافية، وتزايد الضغوط على الموارد المالية، خاصة مع الاعتماد الكبير على عائدات النفط.

وجرت مشاورات مطولة بين الأطراف الليبية برعاية مؤسسات رقابية ومالية، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي، الذي لعب دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر، والدفع نحو اعتماد إطار مالي موحد يضمن توزيعًا أكثر عدالة للموارد، ويعزز من كفاءة الإنفاق العام.

لكن الأعضاء المتحفظين يعتبرون أن أي ترتيبات أو التزامات مالية ذات أثر سيادي لا تكون نافذة أو مُرتبة لأي أثر قانوني أو سياسي ما لم تُعرض على المجلس، وتُعتمد وفق الأطر المؤسسية، وبموجب تفويض رسمي صريح، وإلا فإنها تُعد خارج الإطار المؤسسي ولا يُعتد بها.

وأشاروا في بيانهم إلى ما ورد في تقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية من ملاحظات جسيمة بشأن إدارة الإنفاق العام، بالإضافة إلى تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن التي تحدثت عن اختلالات في إدارة الموارد، مؤكدين ضرورة تشديد الرقابة، والاقتصار على الإنفاق الضروري الذي يضمن استمرار صرف الرواتب والخدمات الأساسية للمواطنين.

وأكدوا رفض أي ترتيبات مالية ذات أثر سيادي خارج الأطر المؤسسية، مع التشديد على أولوية مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة والمساءلة، ودعوة مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية إلى عدم ترتيب أي التزامات مالية خارج الإطار القانوني.

كما حمّل الأعضاء المسؤولية القانونية والسياسية لكل من يشارك في أي ترتيبات خارج الإطار المؤسسي، مع تأكيد الاحتفاظ بحق اتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية المال العام، والانفتاح في الوقت نفسه على أي مبادرات إصلاح مالي تستند إلى القانون والرقابة.

والسبت، أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى رسمياً توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها (ميزانية موحدة)، بعد انقسام مالي وإنفاق مزدوج استمرا لأكثر من 13 عاما، وذلك "بتوقيع اتفاق تاريخي بين مجلسي النواب والدولة على الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد"، وفقا للإعلان.

وفي هذا الصدد، قالت البعثة الأممية إن "هذا الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو معالجة الحاجة الملحّة لتعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق المالي والمساءلة على مستوى البلاد".

وتابعت أن ذلك يتحقق شريطة وجود التزام مماثل وقوي لضمان التنفيذ الفعال للاتفاق، لافتة إلى أنه يتيح فرصة لتحسين "الحوكمة في قطاع المحروقات، بما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز ثقة المستثمرين".

ودعت البعثة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق إلى ضمان تنفيذه، وإتاحة رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا، بما يتماشى مع المعايير الدولية والتشريعات الليبية ذات الصلة. كما طالبت البعثة السلطات في ليبيا بتوحيد وتعزيز مؤسسات الرقابة المستقلة، "لضمان أن يحقق إطار الإنفاق الموحّد فوائد ملموسة لجميع الليبيين.

وأكدت أهمية الشفافية والمساءلة في إدارة إيرادات النفط والإفصاح عنها، معتبرة أن ذلك يدعم الإنفاق العام، بما يضمن تخصيص الموارد الوطنية بشكل عادل يخدم المصلحة العامة في البلاد. مشيرة إلى أن حماية الموارد العامة في ليبيا وتعزيز حوكمة اقتصادية موحّدة وشفافة "أمران لا غنى عنهما لتعزيز الاستقرار واستعادة ثقة المواطنين في إدارة مؤسسات الدولة".

وبرز خلاف حاد بين الحكومتين على بند "التنمية"، خاصة وأن الحكومتين أطلقتا قبل نحو ثلاثة أعوام مشاريع تنمية ضخمة سميت في غرب البلاد "عودة الحياة" وفي شرقها "إعادة الإعمار".

ويُتوقع أن يسهم توحيد الميزانية في تحسين مستوى الخدمات العامة، وتخفيف حدة الأزمات المعيشية التي يعاني منها المواطنون، مثل نقص السيولة وارتفاع الأسعار، فضلًا عن تعزيز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في الاقتصاد الليبي. كما قد يمهد هذا التطور الطريق أمام إصلاحات اقتصادية أوسع، تشمل إعادة هيكلة الدعم، وضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية.

غير أن هذا الاتفاق، رغم أهميته، لا يخلو من التحديات، إذ لا تزال الانقسامات السياسية قائمة، كما أن نجاحه يعتمد على مدى التزام الأطراف بتنفيذه، ووجود آليات رقابة فعالة تمنع العودة إلى الانقسام المالي. كذلك، تبقى الحاجة ملحة لإيجاد حل سياسي شامل ينهي حالة الازدواجية في السلطة التنفيذية والتشريعية.

في المحصلة، يمثل توحيد الميزانية العامة في ليبيا خطوة إيجابية على طريق استعادة الاستقرار الاقتصادي، لكنه يظل مرهونًا بإرادة سياسية حقيقية تدعم مسار التوحيد، وتترجمه إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين.

وتقود البعثة الأممية جهودا لإيصال البلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي أزمة ذلك الصراع على السلطة وتجدد شرعية المؤسسات القائمة.