الأزياء التراثية السورية تروي حكايات حضارية عميقة

معرض خيوط من الذاكرة بدمشق يبرز جمال اللباس التقليدي، ويعيد إحياء فن التطريز بوصفه جزءا أصيلا من الهوية الثقافية العريقة.

دمشق ـ في قلب العاصمة السورية دمشق، احتضن غاليري زوايا معرض الأزياء التراثية بعنوان "خيوط من الذاكرة"، في حدث ثقافي فني استثنائي أعاد تسليط الضوء على غنى الموروث السوري وتنوعه الجغرافي والحضاري.

ويأتي المعرض ليؤكد أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُحفظ، بل هو ذاكرة حيّة تتجدد وتلهم الحاضر، عبر أكثر من مئة قطعة فنية جمعت بين الأزياء النسائية المطرزة، واللوحات التشكيلية، والحقائب التراثية، في تجربة بصرية تمزج بين الأصالة والرؤية المعاصرة.

يمتد المعرض على مدار ستة أيام، ويقدّم مقاربة فنية معاصرة لإعادة قراءة التراث السوري من خلال التطريز والأزياء التقليدية، حيث تتقاطع الألوان والنقوش والخيوط اليدوية لتروي حكايات متوارثة عبر الأجيال. وتبرز في المعروضات تنوع البيئات السورية، من دمشق وحلب وحماة والقلمون والجولان، حيث تعكس كل منطقة خصوصيتها الجمالية والرمزية التي تتجلى في الأزياء النسائية المطرزة بدقة عالية تعكس عمق الهوية الثقافية السورية.

وفي تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أكدت الباحثة الألمانية هايكه فيبر، المهتمة بالتراث السوري والمقيمة في البلاد منذ عام 1982، أن هذا المعرض يمثل احتفاء حقيقيا بغنى التراث السوري وتنوعه، مشيرة إلى أن "النقوش المطرزة ليست مجرد زخارف، بل رموز تحمل معاني إنسانية عميقة تمتد جذورها لآلاف السنين، وتعبّر عن مفاهيم مثل الحياة والموت والخصب والتجدد والانسجام مع الطبيعة".

وأضافت أن بلاد الشام تمثل وحدة حضارية متكاملة رغم اختلاف بيئاتها المحلية، ما يجعل من تراثها ثروة إنسانية تستحق الحفظ والتوثيق.

ولفتت فيبر إلى التراجع الكبير في عدد النساء العاملات في حرفة التطريز التراثي، حيث انخفض العدد من أكثر من ألف سيدة إلى أقل من مئة فقط، ما يشكل تحديا حقيقيا يستدعي جهودا واسعة لإحياء هذه الحرفة ودعمها اقتصاديا وثقافيا. كما أشارت إلى أن سوريا تُعد من أغنى دول المنطقة بالحرف التقليدية، كونها نقطة التقاء حضاري بين الشرق والغرب، وهو ما جعلها عبر التاريخ مركزاً لتبادل الرموز والتقنيات الفنية.

وأوضحت الباحثة أن بعض النقوش التي تظهر في التطريز السوري تحمل جذوراً تاريخية موغلة في القدم، حيث تشير مخطوطات قديمة إلى المطرزات القادمة من بلاد "رتنو"، وهو الاسم القديم لسوريا، ما يدل على عمق هذه الحرفة وامتدادها عبر آلاف السنين. كما تحدثت عن تعرض الحرف التقليدية للإهمال في فترات سابقة، رغم قيمتها الثقافية والاقتصادية الكبيرة.

وبينت فيبر أن التطريز نظام دلالي يعكس فلسفة الشعوب، فـ'قطبة الصليب' ترمز إلى تلاقي الحياة والموت بما يعكس فكرة الخلق الجديد، بينما تشير 'قطبة النخيل' إلى النمو والتجدد الاجتماعي، في حين تمثل 'قطبة الشمس' رمزية الخصوبة والمطر المرتبطة بالإله الكنعاني بعل، ما يعكس ارتباط الفن الشعبي بالمعتقدات القديمة.

كما استعرضت فيبر كتابها 'عناة وبطلها بعل'، الذي أنجزته خلال سنوات إقامتها في سوريا، والذي يتناول أنماط التطريز في بلاد الشام، ويقارن بين الرموز التقليدية القديمة والتطورات اللاحقة. ويقدّم الكتاب قراءة معمقة في التحولات الاجتماعية والثقافية التي أثرت في تراجع الفنون الفولكلورية خلال القرن ونصف الماضي، رغم قدرتها على الصمود لقرون طويلة.

من جانبها، أكدت مديرة غاليري زوايا رلى سليمان أهمية إقامة مثل هذه الفعاليات الثقافية في دعم الهوية السورية، مشيرة إلى أن "التراث السوري غير الموثق يمثل ثروة إنسانية كبيرة، والحفاظ عليه مسؤولية جماعية في مواجهة التحديات الثقافية والاقتصادية". وأضافت أن المعرض يشكل مساحة حيوية للتفاعل بين الجمهور والحرفيات، ويعيد الاعتبار للحرف اليدوية بوصفها جزءاً من الاقتصاد الثقافي المستدام.

وفي الإطار نفسه، تحدثت سمر حمادي، مديرة مؤسسة 'سين' للتدريب في القطيفة، عن جهود المؤسسة في إحياء التطريز القلموني النادر، وخاصة تقنية 'البلاك ورك' التي تتميز بدقة عالية وتشابه بين وجهي القطعة المطرزة. وأوضحت أن المؤسسة قامت بتوثيق هذه التقنية وإعادة تدريب نحو 20 سيدة عليها، بالتعاون مع الباحثة هايكه فيبر، بهدف تمكين النساء اقتصادياً والحفاظ على هذا التراث.

وأشارت نهى الخطيب من مؤسسة التجمع المدني السوري في الرحيبة إلى أن هناك اهتماماً متزايدا من الأجيال الشابة بتعلم التطريز التقليدي، حيث تعمل المؤسسة على دمج الأساليب التراثية مع لمسات حديثة تواكب الذوق المعاصر، ما يسهم في تعزيز استمرارية هذا الفن عبر الأجيال.

ويبرز المعرض في مجمله كمنصة ثقافية حية تؤكد أن الأزياء التراثية ليست مجرد مظهر جمالي، بل هي سجل بصري لذاكرة المجتمع السوري، يعكس تاريخه وتنوعه وتفاعله الحضاري عبر الزمن. كما يعيد تسليط الضوء على أهمية الحرف اليدوية كرافد اقتصادي وثقافي، قادر على الإسهام في التنمية المستدامة.