فخ التخوين، كيف تفتت السوشيال ميديا ما تبقى من لبنان؟
لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية كما توهّمنا، بل هي اليوم تمرّ في واحدة من أخطر مراحلها، ألا وهي مرحلة الرصاصة الرقمية، فما يحدث اليوم على شاشات الهواتف ليس مجرد نقاش سياسي حاد، بل هو إعادة رسم لخطوط التماس بدم بارد، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتواصل إلى خنادق مفتوحة تُدار فيها أكبر المعارك.
في لبنان اليوم، لم يعد الخبر هو الحدث، بل ما يفعله اللبنانيون بهذا الخبر، فبمجرد وقوع أي حدث أو تصريح سياسي، ينقسم الفضاء الافتراضي فورا إلى معسكرات حربية. الاتهامات المتبادلة حالياً لم تعد تكتفي بالخلاف السياسي، بل انتقلت إلى الوجودية. نجد جيوشاً إلكترونية ومن خلفها مواطنون غاضبون، يتبادلون تهم العمالة والصهينة والخيانة كأنها تحايا يومية، فكل من يرفع صوته منتقداً خياراً عسكرياً أو سياسياً يُرجم فوراً بوسم الصهيوني أو العميل، وفي المقابل، يُقذف الطرف الآخر بتهم الارتهان للخارج وتدمير لبنان لحساب أجندات إقليمية.
هذه الحرب الرقمية تتجلى في أقسى صورها عند الكوارث الإنسانية، فمع موجات النزوح أو القصف، تبرز لغة الشماتة التي تنهش في جسد التضامن الوطني، حيث يتبادل البعض تعليقات قاسية مثل هذا ما جنته أيديكم، ليرد الطرف الآخر بتخوين مناطق بأكملها واتهامها بتقديم إحداثيات للعدو. هذا النوع من الاتهامات، الذي يبدأ بمنشور على فيسبوك أو منصة إكس لا يبقى حبيس الشاشة، بل يتحول إلى ذعر حقيقي في الشوارع، ويؤدي أحياناً إلى اعتداءات جسدية نتيجة تحريض رقمي مبرمج.
الخطر الحقيقي يكمن في أن هذه الاتهامات ألغت المنطقة الرمادية، فلم يعد هناك مجال لوجهة نظر ثالثة، فإما أن تكون مع المحور بالكامل أو أنك خائن، وإما أن تكون مع السيادة بمعناها الضيق أو أنك محتل. هذا الانفلات في الخطاب أعاد إنتاج أقبح ما في الحرب الأهلية، وهو إلغاء الآخر معنوياً قبل إلغائه جسدياً. الكلمات التي تُرمى اليوم بكبسة زر تبني جدراناً نفسية بين أبناء البلد الواحد، قد تحتاج أجيالاً لهدمها.
إننا نعيش نسخة جديدة من الحرب، أقل دماً في ظاهرها، لكنها أكثر فتكاً في قدرتها على تفتيت ما تبقى من نسيج اجتماعي، فالرصاصة قد تخطئ هدفها، لكن التهمة الرقمية بالعمالة أو الخيانة، حين تنتشر كالنار في الهشيم، تترك أثراً لا يمحى، وتجعل من الحوار الوطني مجرد وهم في بلد يتحدث أبناؤه لغات كراهية مختلفة، ويختبئون خلف شاشاتهم لإطلاق النار على بعضهم البعض في كل يوم.