فخ المنتصر، حين تقرر السردية ما لا يراه الواقع
في الغرف المغلقة حيث تُصنع السياسة، نتوهم غالباً أن المحرك الأساسي هو لغة الأرقام وموازين القوى العسكرية، لكن الحقيقة أن الدول والجماعات لا تُقاد فقط بالحسابات الباردة، بل بسرديات كبرى تمنح الفعل السياسي شرعيته الأخلاقية والتاريخية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه السرديات من بوصلة إلى سجن، حيث لا يعود القرار السياسي خياراً براغماتياً قابلاً للنقاش، بل يتحول إلى قدر محتوم أو واجب مقدس لا يمكن التراجع عنه دون انهيار الهيكل بالكامل.
هنا يبرز السؤال الأكثر تعقيداً في أي صراع: من الذي يحدد قواعد الانتصار؟ إن النصر في السياسة ليس معطى فيزيائياً نراه بالعين المجردة دائماً، بل هو تأويل تفرضه السلطة على جمهورها. في التجربة الإيرانية، مثلاً، لا يُقاس النجاح بمكاسب اقتصادية عابرة، بل بمدى الصمود في مسار يُنظر إليه كتمهيد لعدالة إلهية منتظرة. في هذا الإطار، يمكن تحويل الهزيمة المادية إلى انتصار أخلاقي أو صبر استراتيجي، لأن قواعد اللعبة مستمدة من نص يتجاوز اللحظة الراهنة.
ويتجلى هذا الانفصال بين المعنى والواقع بوضوح صارخ في النموذج اللبناني المعاصر. هنا، تبرز قدرة السردية على إعادة تعريف الهزيمة لتصبح نصراً بامتياز، ففي الوقت الذي يرزح فيه الجنوب والضاحية تحت وطأة الركام، وتستمر المعادلة العسكرية في فرض واقع مرير يمنع النازحين من العودة إلى بيوتهم أو استعادة حياتهم المستقرة رغم الحديث عن التهدئة، يصر الخطاب السياسي على إعلان الانتصار.
في هذه الحالة، لا يُعرف النصر بسلامة الأرض أو حماية الإنسان، بل ببقاء الفكرة وصمود الهيكل التنظيمي أمام محاولات الإلغاء. يصبح الركام هنا مجرد تفصيل هامشي في مقابل الثبات الأسطوري، وتتحول معاناة الناس إلى قربان في سبيل سردية الصمود، ما يجعل قواعد الانتصار لديهم معزولة تماماً عن حجم الدمار المادي الملموس.
على النقيض، نجد النموذج الأميركي الذي، رغم تشبثه بفكره الاستثناء، يمتلك مرونة تجعل قواعد الانتصار لديه متغيرة. النصر بالنسبة لواشنطن قد يكون مجرد الخروج الآمن أو تحقيق الحد الأدنى من المصالح، مما يسمح لها بالانسحاب من جبهات خاسرة دون أن تفقد الدولة هويتها. أما في الصين، فالانتصار هو النفس الطويل، هو العودة التدريجية لمكانة تاريخية مفقودة، مما يجعل القيادة هناك تفضل التكيف الهادئ على الاصطدام العنيف، طالما أن المسار العام يخدم نهضة الأمة.
هذا التباين يمتد ليشمل مناطق عديدة، ففي إسرائيل مثلاً، يتحول الأمن من مسألة تقنية إلى قضية وجودية مرتبطة بذاكرة سحيقة، مما يجعل تعريف الانتصار هناك ضيقاً وحاداً، ويجعل أي تنازل يبدو وكأنه تهديد للبقاء نفسه.
وفي أميركا اللاتينية، نجد أن الثورة في حد ذاتها هي الهدف، حيث يصبح الاستمرار في رفع الشعارات انتصاراً كافياً حتى لو كان الواقع المعيشي يتدهور، كما نرى في تجارب مثل فنزويلا التي أعادت إنتاج الإرث التاريخي للتحرر كخطاب سياسي يتجاوز الزمن التقليدي.
الخطر الحقيقي يكمن في انغلاق المعنى. عندما ترفض الدولة أو الجماعة الاعتراف بالخطأ لأنها تربط قراراتها بقداسة التاريخ أو الدين، تصبح السياسة عملاً انتحارياً. في هذه الحالة، يصبح التفاوض مستحيلاً، لأن الطرف الآخر لا يرى فيك خصماً سياسياً بل عائقاً أمام الحقيقة المطلقة.
التاريخ يخبرنا أن السرديات العظيمة التي لا تنحني أمام الواقع تنكسر في النهاية. اليابان مثال صارخ، فقد احتاجت لزلزال الحرب لتهدم سردية الإمبراطور الإله وتبني بدلاً منها نموذجاً حياً قادراً على البقاء خلال فترة قصيرة. إن السياسة في جوهرها هي فن إدارة الممكن، وحين يتضخم المعنى ليخنق الممكن، تتحول الدولة إلى ماكينة لإنتاج الصراعات بدلاً من حلها.
إن القوة الحقيقية لأي نظام سياسي اليوم لا تكمن في صلابة شعاراته، بل في قدرته على إبقاء سرديته مفتوحة وقابلة للمراجعة. الانتصار الحقيقي ليس في إثبات صحة الفكرة على جثث الواقع والمدن المحطمة، بل في القدرة على تعديل قواعد اللعبة لضمان استمرار الحياة، بعيداً عن وهم المعاني المطلقة التي لا تقبل المراجعة.