مراكش تنبض بإيقاعات كناوة

ساحة جامع الفنا تستعد لاحتضان مهرجان 'كناوة شو' في أجواء احتفالية حيث تمتزج الإيقاعات الروحية بالتراث المغربي الأصيل.

مراكش (المغرب) ـ تستعد مراكش لاحتضان فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان 'مراكش كناوة شو'، يومي 8 و9 مايو/أيارالمقبل، في موعد فني متجدد يعكس الدينامية التي يعرفها هذا اللون الموسيقي التراثي، ويؤكد مكانته المتنامية داخل المشهد الثقافي المغربي وخارجه. ويأتي هذا الحدث ليكرّس حضور فن كناوة في الفضاءات العمومية، ويقرّبه أكثر من جمهور متنوع، من عشاق الموسيقى التقليدية والباحثين عن تجارب فنية ذات طابع روحي وإنساني عميق.

وتحتضن ساحة جامع الفنا حفلات هذه الدورة، باعتبارها فضاء رمزيا نابضا بالحياة، يجسد روح المدينة الحمراء، ويُعد منصة مفتوحة للتعبير الفني الشعبي، حيث تتقاطع الحكايات والموسيقى والفرجة في مشهد يومي فريد. ويمنح هذا الاختيار للمهرجان طابعاً احتفالياً خاصاً، إذ يندمج الفن مع الفضاء العام، ويصبح الجمهور جزءاً من العرض، لا مجرد متلقٍ له.

ويعرف برنامج اليوم الأول مشاركة مجموعة من 'المعلمين' البارزين في فن كناوة، من بينهم سعيد كويو وعثمان حميتي وبوجمعة حميتي ومراد المرجان وياسين طير الليل، حيث يرتقب أن يقدموا عروضاً موسيقية تمزج بين الإيقاعات الروحية والأداءات التقليدية، في لوحات فنية تستحضر عمق هذا التراث وثراءه.

أما اليوم الثاني، فسيشهد حضور حسن بوسو، أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في التعريف بموسيقى كناوة عالميا، إلى جانب المعلم حميتي وفرقة 'وان باند'، في عروض ينتظر أن تواصل جذب الجمهور وتقديم تجربة موسيقية غنية تجمع بين الأصالة والتجديد.

ولا يمكن الحديث عن هذا المهرجان دون التوقف عند فن كناوة نفسه، الذي يُعد من أبرز مكونات الهوية الثقافية المغربية. تعود جذور هذا الفن إلى تاريخ طويل مرتبط بالثقافات الإفريقية جنوب الصحراء، حيث حمله العبيد الذين استقروا في المغرب، ليتحول مع مرور الزمن إلى تعبير فني وروحي متكامل.

ويجمع فن كناوة بين الموسيقى والرقص والطقوس، ويعتمد على آلات مميزة مثل 'الغمبري' و'القراقب'، التي تنتج إيقاعات متكررة ذات طابع تأملي.

ويُعرف هذا الفن بطابعه الروحي العميق، إذ يرتبط بطقوس 'الليلة' أو 'الجدبة'، التي تهدف إلى تحقيق نوع من التطهير النفسي والانسجام الداخلي، من خلال الموسيقى والحركة. وقد ساهم هذا البعد في جعل كناوة فنا يتجاوز الترفيه، ليصبح تجربة وجدانية تحمل أبعادا إنسانية وثقافية متعددة.

وعلى مر السنوات، برز عدد من 'المعلمين' الذين ساهموا في الحفاظ على هذا التراث وتطويره، من بينهم أسماء لامعة مثل المعلم محمود كينيا والمعلم عبد الله الكردودي، وصولا إلى أجيال جديدة من الفنانين الذين عملوا على مزج كناوة بأنماط موسيقية عالمية كالجاز والبلوز، ما ساعد على انتشارها خارج المغرب.

وقد عززت مهرجانات كبرى، على غرار مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، هذا الحضور الدولي، حيث أصبحت منصة للتلاقي بين موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، وساهمت في تقديم كناوة كفن حي ومتجدد قادر على التفاعل مع ثقافات أخرى.

ويأتي مهرجان 'مراكش كناوة شو' في هذا السياق، ليؤكد استمرار هذا الزخم، من خلال تقديم عروض مفتوحة للجمهور، تتيح التفاعل المباشر مع الفنانين، وتخلق أجواء احتفالية تعكس روح المدينة. كما يعكس هذا الحدث التوجه نحو نشر الثقافة، وجعلها في متناول الجميع، بعيدا عن القاعات المغلقة.

ومن المنتظر أن تستقطب هذه الدورة جمهورا غفيرا، سواء من داخل المغرب أو من السياح الأجانب، خاصة أن مراكش تُعد واحدة من أبرز الوجهات السياحية والثقافية في المنطقة، لما تتميز به من غنى تراثي وتنوع فني.

ويمثل مهرجان 'مراكش كناوة شو' احتفاء بذاكرة جماعية، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح فن كناوة فضاء جديدا للتعبير والاستمرار. وبين إيقاعات تتجدد الحكاية، لنجعل من كناوة شاهدا حيا على قدرة الفن على تجاوز الحدود، وصناعة لحظات مشتركة من الفرح والتأمل.