صعود بلا ضجيج: المغرب داخل المنظومة الأمنية العالمية في مونديال 2026

المغرب انتقل تدريجيًا من فاعل يركز على قضاياه الداخلية والإقليمية، إلى شريك يشارك في مقاربات أوسع، تتعلق بالأمن الدولي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.

في عالم السياسة والأمن، نادرًا ما تأتي التحولات الكبرى بشكل مفاجئ أو دفعة واحدة، فالأدوار المؤثرة تُبنى تدريجيًا، عبر مسار طويل من التراكم، واختبار القدرات، وتعزيز الثقة لدى الشركاء الدوليين.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم انخراط المغرب في التحضيرات الأمنية لكأس العالم 2026، ليس كحدث ظرفي مرتبط بتظاهرة رياضية، بل كمحطة جديدة ضمن مسار أوسع يعكس تطورًا هادئًا في موقعه داخل المنظومة الأمنية الدولية.

الزخم الإعلامي الذي رافق الحديث عن "تكليف" المغرب بمهام أمنية في المونديال قد يوحي بصورة مبسطة، تختزل واقعًا أكثر تركيبًا، فالمغرب لا يقود هذه المنظومة، لكنه في المقابل لم يعد خارجها. هو اليوم جزء من شبكة تعاون دولية تقودها قوى كبرى، تتوزع فيها الأدوار وفق اعتبارات دقيقة، تشمل الخبرة، والجاهزية، ومستوى الثقة المتبادلة. وفي هذا الإطار، يبرز حضور الرباط كمؤشر على موقع متقدم نسبيًا، يعكس مسارًا تصاعديًا، دون أن يعني بالضرورة انتقالًا إلى موقع القيادة.

هذا التطور لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة مسار ممتد على مدى العقدين الأخيرين، عمل خلاله المغرب على إعادة تعريف دوره الأمني، متجاوزًا حدود محيطه الإقليمي التقليدي، فقد انتقل تدريجيًا من فاعل يركز على قضاياه الداخلية والإقليمية، إلى شريك يشارك في مقاربات أوسع، تتعلق بالأمن الدولي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.

ويستند هذا المسار إلى عنصرين أساسيين، الأول هو الكفاءة الميدانية التي راكمها المغرب عبر تجارب متعددة، سواء على المستوى الوطني أو ضمن شراكات دولية. هذه الكفاءة ظهرت بشكل واضح في مشاركته ضمن الجهود الأمنية المرتبطة بكأس العالم 2022، حيث ساهم في إطار تعاون متعدد الأطراف، في التعامل مع تحديات معقدة تتطلب تنسيقًا عالي المستوى واستجابة سريعة لمخاطر متنوعة. وقد عززت هذه التجربة من صورة المغرب كشريك قادر على العمل ضمن بيئات دولية حساسة، تتسم بارتفاع درجات الضغط والتعقيد.

أما العنصر الثاني، فهو المرونة السياسية، التي مكنت المغرب من بناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف مختلفة، فقد حافظ على تعاون وثيق مع شركائه الغربيين، وفي الوقت نفسه وسّع من دائرة تواصله مع فاعلين آخرين، ما أتاح له هامش حركة أوسع داخل المنظومة الدولية.

هذه المقاربة لا تعكس فقط قدرة على التكيف، بل أيضًا إدراكًا لطبيعة التوازنات الدولية، التي تتطلب أحيانًا الجمع بين الانخراط والتوازن، بدل الاصطفاف الحاد.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة مراكش كأحد تجليات هذا الحضور المتنامي، فالمدينة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء متقدم للحوار الأمني الدولي، حيث تستضيف لقاءات ومنتديات تجمع مسؤولين وخبراء من مختلف أنحاء العالم. هذا الدور تعزز بشكل لافت مع المؤتمر الأمني الدولي الذي احتضنته مراكش في ديسمبر/كانون الأول 2025، والذي شكل منصة لتبادل الرؤى حول قضايا متعددة، من مكافحة الإرهاب إلى الأمن السيبراني، مرورًا بتحديات الاستقرار الإقليمي.

وقد أتاح هذا المؤتمر، إلى جانب فعاليات أخرى، ترسيخ صورة مراكش كمحطة منتظمة للنقاش الأمني، ومجال لتقريب وجهات النظر بين فاعلين دوليين، في بيئة تتسم بالحوار والانفتاح. ورغم أن هذه اللقاءات لا تعني بالضرورة أن المغرب يحدد توجهات السياسات الأمنية العالمية، فإنها تعكس دوره كفاعل مساهم في إثراء النقاشات وصياغة مقاربات مشتركة.

المغزى الأعمق لهذا المسار لا يرتبط فقط بحجم الأدوار التي يضطلع بها المغرب، بل بطبيعتها أيضًا، فقد انتقل من موقع المتلقي إلى موقع المشارك، ومن هامش التفاعل إلى دائرة المساهمة وهو تحول يعكس نضجًا في الأداء، وتراكمًا في الخبرة، لكنه يظل ضمن إطار منظومة دولية تتقاسم فيها الدول الأدوار بدرجات متفاوتة من التأثير.

وفي عالم يشهد تزايدًا في تعقيد التحديات الأمنية، من الإرهاب إلى الجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية، تبرز أهمية الدول التي تستطيع تقديم مساهمات موثوقة ضمن الجهود الجماعية. وفي هذا الإطار، يعمل المغرب على تعزيز موقعه كشريك يعتمد عليه، من خلال تطوير قدراته، والانخراط في مبادرات مشتركة، وتبادل الخبرات مع مختلف الأطراف.

غير أن هذا النوع من الحضور يظل، في جوهره، حضورًا قائمًا على الوظيفة والدور العملي، أكثر منه نفوذًا بنيويًا يتيح إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي وهو ما يعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها المغرب، حيث يواصل ترسيخ موقعه داخل المنظومة، مع الحفاظ على مقاربة تدريجية تقوم على التراكم بدل القفز السريع.

في النهاية، لا يقتصر الأمر على مشاركة في حدث رياضي عالمي، بل يتجاوز ذلك إلى مسار استراتيجي تسعى من خلاله دولة إلى تعزيز موقعها ضمن توازنات دولية دقيقة. مسار يتسم بالهدوء والانضباط، ويعتمد على بناء الثقة وتوسيع الشراكات، دون السعي إلى أدوار تتجاوز السياق العام للنظام الدولي.

هكذا يتشكل "الصعود بلا ضجيج" الذي يميز التجربة المغربية اليوم: تقدم محسوب داخل منظومة معقدة، يراكم الحضور ويعزز الموقع، دون ادعاء تجاوز الحدود التي تفرضها طبيعة التوازنات الدولية.