اللبان العُماني يدخل الحماية العالمية

الصمغ الطبيعي يعرف مرحلة جديدة بعد تسجيله في المنظمة العالمية للملكية الفكرية 'الويبو'، ما يعزّز قيمته التاريخية والاقتصادية في الأسواق الدولية.

مسقط ـ سجّلت سلطنة عُمان إنجازا دوليا جديدا يعزّز مكانتها في حماية تراثها الطبيعي والثقافي، وذلك من خلال تسجيل اللبان العُماني كمؤشر جغرافي رسمي لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية ''الويبو''، في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. ويأتي هذا الاعتراف الدولي ليؤكد القيمة الاستثنائية التي يتمتع بها اللبان العُماني، ليس فقط كمنتج طبيعي، بل كرمز حضاري متجذر في الهوية العُمانية وامتدادها التاريخي.

ويحمل هذا التسجيل أهمية استراتيجية بالغة، إذ يعكس المكانة الراسخة التي يحتلها اللبان العُماني في التجارة العالمية المرتبطة بالمنتجات الأصيلة ذات الجذور التراثية.

ولطالما ارتبط اللبان بتاريخ عُمان القديم، حيث شكّل عبر قرون طويلة أحد أهم الموارد الطبيعية التي عُرفت بها البلاد، ولعب دورًا محوريًا في حركة التجارة العالمية القديمة، خاصة عبر طريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بالحضارات القديمة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وأكدت نصرة بنت سلطان الحبسي، مدير عام التجارة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن هذا الإنجاز يمثل تتويجًا لجهود مؤسسية متكاملة هدفت إلى حماية اللبان العُماني وتعزيز قيمته الاقتصادية والتسويقية عالميًا.

وأوضحت أن عملية التسجيل لم تأتِ بمعزل عن رؤية وطنية شاملة، بل جاءت ضمن استراتيجية تهدف إلى ربط المنتجات الوطنية بموطنها الجغرافي الأصلي، بما يعزز من هويتها ويمنحها ميزة تنافسية في الأسواق الدولية.

وأضافت أن أهمية هذا الإنجاز تتعزز من خلال انضمام سلطنة عُمان إلى وثيقة جنيف لاتفاق لشبونة بشأن تسميات المنشأ والمؤشرات الجغرافية، وهو اتفاق دولي يتيح حماية واسعة النطاق للمنتجات المرتبطة بأصولها الجغرافية. ويقوم هذا النظام على توفير إطار قانوني موحد يضمن حماية المنتجات ليس فقط داخل الدولة المنتجة، بل أيضًا في الدول الأعضاء ضمن النظام الدولي، ما يمنحها بعدًا عالميًا في الحماية والاعتراف.

وأشارت إلى أن هذا الإطار القانوني يمنح الدول مرونة في تطبيق الحماية وفق أنظمتها التشريعية الوطنية، وهو ما يجعل الانضمام إليه خطوة استراتيجية للدول التي تمتلك منتجات ذات خصوصية طبيعية أو تاريخية أو ثقافية، مثل اللبان العُماني الذي يتميز بخصائص فريدة مرتبطة ببيئته الطبيعية في محافظة ظفار، وبجودته العالية التي أكسبته شهرة عالمية عبر الزمن.

ومن جانبه، أوضح المهندس خالد بن حمود الهنائي، مدير المكتب الوطني للملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن تسجيل اللبان العُماني كمؤشر جغرافي يمثل اعترافًا دوليًا رسميًا بقيمته، حيث تم إدراجه في السجل الدولي لنظام لشبونة للمؤشرات الجغرافية، مع إخطار جميع الأطراف المتعاقدة في النظام بهذا التسجيل، ما يعزز من مكانته القانونية على المستوى العالمي.

وأكد الهنائي أن هذا الإنجاز لا يقتصر على البعد القانوني فحسب، بل يعكس تحولًا اقتصاديًا مهمًا في طريقة إدارة الأصول الوطنية غير المادية، حيث أصبح التركيز متجها نحو حماية العلامات المرتبطة بالهوية الجغرافية والثقافية، باعتبارها موارد اقتصادية مستدامة يمكن استثمارها على المدى الطويل.

وأشار إلى أن المؤشر الجغرافي يسهم بشكل مباشر في تعزيز ثقة المستهلكين حول العالم، إذ يضمن لهم الحصول على منتج أصيل يتمتع بخصائص نوعية مرتبطة بمنشئه الجغرافي. وهذا بدوره يرفع من تنافسية المنتجات العُمانية التي يدخل اللبان في صناعتها، سواء في مجالات العطور أو الصناعات الدوائية أو مستحضرات التجميل، حيث يُعد اللبان عنصرًا أساسيًا في العديد من الصناعات الحديثة.

ولا يقتصر أثر هذا التسجيل على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل دعم رواد الأعمال والشركات العُمانية، من خلال تمكينهم من الاستفادة من السمعة العالمية التي يتمتع بها اللبان العُماني، والذي يُعرف بجودته العالية ونقائه وندرته. كما يفتح هذا الاعتراف الدولي آفاقًا جديدة أمام الاستثمار في المنتجات المرتبطة باللبان، بما يعزز من حضور العلامة العُمانية في الأسواق العالمية.

وفي السياق ذاته، يسهم هذا الإنجاز في دعم جهود الاستدامة البيئية، من خلال تشجيع الممارسات السليمة في جمع وإنتاج اللبان، بما يضمن الحفاظ على شجرة اللبان كمورد طبيعي نادر، ويعزز من استمرارية هذا الإرث الطبيعي للأجيال القادمة. فالحفاظ على هذا المورد لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل يشمل أيضًا البعد البيئي والثقافي الذي يشكل جزءًا من الهوية العُمانية.

ويُعد اللبان العُماني اليوم أكثر من مجرد منتج طبيعي، فهو رمز ثقافي وتاريخي يعكس عمق الحضارة العُمانية وارتباطها بالبيئة، كما يمثل جسرًا بين الماضي العريق والحاضر المتجدد، في ظل توجهات وطنية واضحة تهدف إلى تحويل التراث إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وبهذا الإنجاز، تؤكد سلطنة عُمان مجددًا قدرتها على توظيف تراثها الطبيعي والثقافي في بناء حضور عالمي مؤثر، يعزز من مكانتها في منظومة الاقتصاد الثقافي العالمي، ويجعل من اللبان العُماني سفيرًا طبيعيًا يحمل هوية الوطن إلى مختلف أنحاء العالم.