الجزائر تستميل دول الساحل باستنساخ مبادرة الأطلسي المغربية

عطاف يروج لميناء جن جن 'كبوابة تجارية لدول منطقة الساحل والصحراء' في منافسة صريحة مع المبادرة المغربية.

الجزائر – سلط المؤتمر الختامي للدورة الرابعة للجنة الحكومية المشتركة الجزائرية-التشادية للتعاون، الضوء على تركيز الجزائر ومساعيها للترويج لميناء جن جن (جيجل) "كبوابة تجارية لدول منطقة الساحل والصحراء"، في محاولة لمنافسة المغرب واستنساخ مبادرة الأطلسي التي حظيت بتجاوب واسع لمساهمتها في فك العزلة عن دول الساحل وتؤمن وصولها إلى المحيط الأطلسي.

وحرص وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلال اختتام أعمال اللجنة المشتركة على إيلاء المشروع اهتماما كبيرا وتصويره كملاذ لدول الساحل من العزلة، وقال أن ميناء "جن جن" يمثل بوابة استراتيجية مهمة لدول منطقة الساحل والصحراء، وفي مقدمتها تشاد، رغم أن مبادرة الأطلسي المغربية تكتسب زخما دوليا متصاعدا، بتمكين دول الساحل غير الساحلية (مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية، وفق شهادات الخبراء والسياسيين.

وتقوم الرؤية المغربية على منح دول الساحل منفذاً استراتيجياً نحو المحيط الأطلسي، بما يفتح أمامها آفاقاً أوسع للتجارة مع أوروبا والأميركيتين. وتستند هذه المبادرة إلى شبكة موانئ متطورة وبنية تحتية لوجستية متقدمة، إلى جانب سياسة خارجية نشطة عززت حضور الرباط في غرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

لا يمكن قراءة المبادرة الجزائرية بمعزل عن سياق التنافس الإقليمي مع المغرب، حيث قال عطاف أن "الجزائر تمضي في تجسيد مشروع الطريق العابر للصحراء وتعزيز مشاريع الربط اللوجستي، بما في ذلك تطوير شبكة الألياف البصرية العابرة للصحراء، إلى جانب توسيع التعاون في مجال النقل الجوي، بعد إطلاق خط جوي يربط الجزائر وإنجامينا".

المبادرة الأطلسية تكتسي أهمية بالغة لكونها تطرح حلاً عملياً لمعضلة جغرافية مزمنة تواجه دول الساحل

وفي ظل التوترات التي شهدت العلاقات الجزائرية مع دول الجوار ودول أوروبية عديدة في مقدمتها فرنسا، تسعى الجزائر إلى خلق تحالفات اقتصادية جديدة مع دول الساحل لتعزيز موقعها الدبلوماسي.
وهو ما بدا واضحا في الاحتفاء الكبير الذي أبدته الجزائر بضيفها وزير الشؤون الخارجية التشادي عبدالله صابر فضل.

وكان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون قد أعلن سابقاً خلال افتتاح معرض التجارة البينية الإفريقية استعداد بلاده لوضع موانئها في خدمة الدول الإفريقية غير الساحلية، مع إمكانية نقل البضائع عبر شبكة السكك الحديدية إلى وجهاتها النهائية خلال فترة وجيزة، خاصة مع توسع مشاريع الربط السككي نحو موريتانيا ومالي والنيجر.

ويرى متابعون أن مبادرة الأطلسي التي طرحها المغرب تمتاز بعدة جوانب تجعلها تحتل الأولوية لدى دول الساحل، فهي تمثل تحولاً نوعياً في مقاربة التنمية الإقليمية، حيث تنتقل من منطق المساعدات إلى منطق الشراكة والاستثمار في البنية التحتية.

ورغم محاولة المبادرة الجزائرية اللحاق بها ومنافستها، إلا أن المبادرة الأطلسية في الواقع تفتح المجال أمام تكامل محتمل بين مختلف المشاريع، بما يخدم مصالح دول الساحل. فتنويع المنافذ البحرية يمنح هذه الدول مرونة أكبر في إدارة تجارتها الخارجية، ويعزز من قدرتها على التفاوض مع الشركاء الدوليين.

ومع تزايد تجاوب دول الساحل، تبدو هذه المبادرة مرشحة لتكون ركيزة أساسية في بناء فضاء اقتصادي أفريقي أكثر ترابطاً وانفتاحاً، يضع حداً لعزلة دول الداخل ويفتح أمامها آفاقاً جديدة للنمو والاندماج في الاقتصاد العالمي.

وتكتسي المبادرة الأطلسية أهمية بالغة لكونها تطرح حلاً عملياً لمعضلة جغرافية مزمنة تواجه دول الساحل، تتمثل في انعدام المنافذ البحرية. ومن خلال ربط هذه الدول بالبنية التحتية المغربية، خاصة الموانئ الأطلسية وشبكات النقل، تسعى الرباط إلى فتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار، وتقليص تكاليف التصدير والاستيراد، بما يعزز من تنافسية اقتصادات المنطقة.

ولا تقتصر أهمية المبادرة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى بعدها التنموي والأمني. إذ يُنظر إلى تحسين الربط اللوجستي كعامل أساسي في دعم الاستقرار، عبر خلق فرص اقتصادية جديدة والحد من الهشاشة الاجتماعية التي تغذي الاضطرابات. كما تندرج المبادرة ضمن رؤية أشمل لتعزيز التعاون جنوب-جنوب، بما يكرّس شراكات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة.

وحظيت المبادرة المغربية بتجاوب لافت من عدد من دول الساحل، التي أبدت اهتماماً واضحاً بالانخراط في هذا المشروع، نظراً لما يوفره من فرص ملموسة لتحسين أوضاعها الاقتصادية. وقد عبّرت عدة عواصم في المنطقة عن استعدادها لتعزيز التعاون مع المغرب في مجالات النقل والتجارة والبنية التحتية، ما يعكس ثقة متنامية في جدوى هذه المبادرة.

ويعزى هذا التجاوب إلى عدة عوامل، من بينها المصداقية التي راكمها المغرب في شراكاته الأفريقية، واستثماراته المتواصلة في القارة، إلى جانب موقعه الجغرافي الاستراتيجي كبوابة طبيعية نحو أوروبا والأميركيتين. كما أن استقرار المملكة وتطور بنيتها التحتية يجعلان منها شريكاً موثوقاً لدول تبحث عن حلول عملية ومستدامة.