ترجمة 'الميتاقص' تثري المكتبة العربية

كتاب يائيل شليك، الصادر بترجمة د. أحمد خريس عن مشروع 'كلمة'، دراسة نقدية شاملة لنمط السرد ما بعد الحداثي الذي يكسر الإيهام الواقعي ليتأمل ذاته وتقنياته ودوره الاجتماعي والسياسي المعاصر.

صدرت مؤخراً عن مشروع كلمة بأبوظبي ترجمة كتاب "الميتاقص" لـ "يائيل شليك"، ترجمة إلى العربية الناقد والمترجم الدكتور أحمد خريس، وهو كتابٌ صادر في الأساس عام 2022، ويتناول نمطاً من الكتابة القَصِّية ظهر كمعبر عن أدب ما بعد الحداثة، بُعيْد منتصف القرن الماضي تقريباً.

ويعني "الميتاقص" metafiction، ببساطة، تشييدَ عالم قَصِّي عن طريق الإيهام بالواقع أو الإقناع، ثم خرقَه عبر التعليق عليه، نقدياً، داخل العمل نفسه؛ إنه أدب يشكك في ماهيته الأدبية فلسفياً، فينعكس على نفسه دائماً، ويحيل إليها. وهو يتنصل من أعراف الواقعية الأدبية، ويناهضها بشراسة، فيحيل إلى النصوص الأدبية السابقة لا الواقع الخارجي، ويبني وجوده عليها عبر تقنيات عديدة كالمحاكاة الساخرة، والمعارضة.

وتستعرض مؤلفةُ الكتاب، يائيل شليك، عدداً من الكتابات الميتاقصية لمؤلفين متنوعين. وعلى الرغم من وجود ظواهر ميتاقصية في أعمال روائية قديمة كالدون كيخوته لثيربانتس وتريسترام شاندي لستيرن، فإن شليك تركز على الميتاقص المعاصر، أي ذاك الذي ظهر في أواخر القرن العشرين، وأوائل القرن الحادي والعشرين.

ولا يتساءل هذا الكتاب عن طبيعة الميتاقص فحسب، وإنما عن الدور الذي يمكن أن ينهض به، فالسرود الميتاقصية -وفق شليك- قادرة على إبراز دور الفن الاجتماعي، فضلاً عن أنَّها تعيد فهم مؤلف القص وقارئه، وأدوارهما. وقد ظهر هذا جلياً في بعض الروايات الميتاقصية المتأخرة، التي توسلت الميتاقص لتدافع عن قضايا سياسية واجتماعية.

وتهتم مؤلفة الكتاب بالرواية والقصة القصيرة الميتاقصيتين، لكنها لا تكتفي بذلك، وتدرس القص الذاتي Autofiction، أو تلك السرود التي تقف في المنتصف بين القص (روايةً وقصةً قصيرة أو طويلة، وما دار في فلكهما من أجناس فرعية)، والسيرة الذاتية.

إن هذا الكتاب مقدمة جذابة لمن لم يتعمق في دراسة الميتاقص، فهو إطلالة على جمع من الجهود النقدية السابقة، التي ابتدأت بمقالة شهيرة سَكَّ فيها الروائي الأمريكي ويليام غاس هذا المصطلح، عامَ 1970، وتلتها أعمال نُقاد مُقدَّرين في الكتابة عن هذا الفن، كـ ليندا هتشيون، وباتريشيا وو، ومارك كَري.

صدر هذا الكتاب، في الأساس، عن سلسلة روتلدج النقدية العريقة، وفي نقله إلى العربية نفعٌ كبيرٌ لنقاد القص من جهة، ولكُتَّابه من جهةٍ أخرى، ولاسيما إنْ أرادوا الاطلاع على أشيع التطورات في مجال الكتابة القصية؛ ذلك أن كثيراً منهم يمارس كتابة الميتاقص، من دون أنْ يعي ذلك، مقتفياً أعمالاً ميتاقصية شائعة، وبخاصة المترجمة.

أما مؤلفة الكتاب، يائيل شليك، فأستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة كوينز الكندية بأونتاريو. وتهتم شليك -عموماً- بالقص المعاصر، والشعر الأمريكي، وكتابة الرحلات، والميتاقص، والسرود الأدبية غير القصية، والأرشيفات. ولها غير هذا الكتاب، ثلاثة كتب، هي: "نسوية الرحلة وسياساتها بعد عصر التنوير، 2014"، و"إعادة النظر في المرأة اللعوب: مقالات عن الثقافة والغنج، 2008"، و"مقالات حول الغرابة: جماليات التعدد، 2002".