كيف احتفل العالم العربي باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف؟

الاحتفاء هذا العام يُبرز حراكا ثقافيا شاملا يسعى لترسيخ مكانة الكتاب كأداة لبناء الوعي، مع التركيز على المبادرات المبتكرة، وحماية الملكية الفكرية، والتوفيق بين الأصالة الورقية والتحديات الرقمية الحديثة.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

في زمنٍ تتسارع فيه الخوارزميات وتتنافس فيه الشاشات على جذب الانتباه، عاد الكتاب ليتصدر المشهد الثقافي العربي في 23 أبريل/نيسان 2026، مع احتفاء واسع باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، المناسبة التي أقرّتها اليونسكو منذ عام 1995، لتكريم الكلمة المكتوبة وتعزيز ثقافة القراءة وصون حقوق المبدعين.

لم يكن الاحتفاء هذا العام تقليديًا أو رمزيًا، بل جاء محمّلًا بأسئلة عميقة حول مستقبل المعرفة، ودور الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي، وحدود التوازن بين الانتشار الرقمي وحماية الملكية الفكرية وفي هذا السياق، قدّمت عدة دول عربية نماذج متنوعة تعكس خصوصية كل تجربة، مع اتفاقها جميعًا على مركزية الكتاب في بناء الوعي.

في المغرب، خطفت الرباط الأنظار بعد اختيارها عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، حيث أطلقت برنامجًا ثقافيًا ضخمًا يمتد على مدار عام كامل، يتضمن أكثر من 300 فعالية تتنوع بين معارض وورش قراءة ومكتبات متنقلة ومقاهٍ أدبية

ويعكس هذا الحراك رؤية واضحة لجعل القراءة ممارسة يومية في الفضاء العام، وربطها بالتنمية الاجتماعية وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا، بما يعزز مكانة الكتاب كأداة للتغيير

وفي الإمارات، واصلت دبي ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للإبداع، عبر منظومة متكاملة لدعم المؤلفين وصناعة النشر فقد نظّمت هيئة الثقافة والفنون في دبي سلسلة من الفعاليات التي ركزت على التوعية بحقوق الملكية الفكرية، إلى جانب ورش وندوات تجمع بين الكتّاب والخبراء القانونيين، فضلًا عن دعم نوادي القراءة والمبادرات المجتمعية

وفي سياق متصل داخل الإمارات، برزت مبادرة نوعية من متحف زايد الوطني، الذي أطلق مجموعة من الكتب التفاعلية الموجهة للأطفال باللغتين العربية والإنجليزية وتتميز هذه الإصدارات بعناصر حسية ورسوم متحركة، ما يجعل القراءة تجربة تعليمية ممتعة، حيث تستكشف موضوعات مستمدة من البيئة الإماراتية مثل الصحراء والبحر والحياة البرية وتعكس هذه الخطوة توجهًا حديثًا لربط الأجيال الجديدة بالكتاب عبر أدوات مبتكرة تجمع بين المعرفة والتكنولوجيا، وتؤكد أن مستقبل القراءة يبدأ من الطفولة

أما في مصر، فقد جاء الاحتفاء بطابع جماهيري ومؤسسي في آنٍ واحد، حيث قادت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية سلسلة من المبادرات، شملت تخفيضات على الإصدارات تمتد لشهر كامل، وتنظيم ملتقى علمي بعنوان "الكتاب ذاكرة الأمة ومستقبلها"، إلى جانب معارض للمخطوطات النادرة، في محاولة لإعادة ربط الجمهور بتراثه الثقافي

وفي السعودية، برز دور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بوصفها أحد أهم روافد المعرفة، حيث استثمرت المناسبة لإبراز مشروعها الثقافي القائم على النشر العلمي والتوثيق، من خلال عرض إصدارات متنوعة في مجالات التاريخ والفكر والترجمة، ما يعزز حضور الكتاب العربي ويحافظ على الهوية الثقافي 

ولم تغب المبادرات المجتمعية عن المشهد؛ ففي الأردن، جرى توزيع الكتب مجانًا على المارة، بينما نظّمت تونس يومًا مفتوحًا داخل المكتبات العمومية تضمن ورشًا فنية وقرائية، في حين شهدت السعودية أمسيات أدبية ناقشت تطور الرواية وتجارب الكتّاب

ورغم تنوع أشكال الاحتفاء، فإن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في محاولة التوفيق بين عالمين: عالم الكتاب الورقي بوصفه ذاكرة ثقافية راسخة، وعالم النشر الرقمي الذي يتيح انتشارًا أوسع لكنه يفرض تحديات قانونية وأخلاقية معقدة وفي قلب هذه المعادلة، تبرز قضية حقوق المؤلف كأحد أهم محاور النقاش، خاصة مع تنامي أدوات إنتاج المحتوى المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

في المحصلة، يكشف اليوم العالمي للكتاب في نسخته العربية لعام 2026 عن وعي متزايد بأن معركة الثقافة لم تعد فقط حول القراءة، بل حول شكل المعرفة نفسها: كيف تُنتج؟ ومن يحميها؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وبين مبادرات الرباط الطموحة، وحراك دبي المؤسسي، وثقل القاهرة الثقافي، ودور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة المعرفي، ومبادرات متحف زايد الوطني الموجهة للأجيال الجديدة، يبدو أن الكتاب لا يزال يحتفظ بمكانته—ليس فقط كوعاءٍ للمعرفة، بل كأحد آخر خطوط الدفاع عن الوعي في عالم سريع التغير