ركح 'المنزه' مزال يهتزّ.. مايكل جاكسون يعود إلى تونس!

التونسيون يحيون بلهفة ذكرى ملك البوب من خلال فيلمه الجديد، مستحضرين ليلة أسطورية عابرة للزمن والحدود سكنت ذاكرتهم منذ ثلاثة عقود.

ثمة أحداثٌ تتجاوزُ حدودَ العروضِ التجاريةِ لتتحوّل إلى ممارسة لاستحضارِ الأرواحِ في ذاكرةٍ جمعية تأبى النسيان؛ وهذا تماما ما أحدثه دخول فيلم السيرة الذاتية "Michael" إلى القاعات السينمائية التونسية يوم الأربعاء 22 أبريل/نيسان 2026 . فبعد ثلاثة عقودٍ من تلك الليلة الخريفية التي زلزلت أركان ملعب المنزه عام 1996، فرضَ "ملك البوب" سطوته من جديد على المشهد الثقافي في تونس، مستعيداً بريقه عبر تجسيد ابن أخيه "جعفر جاكسون" الذي أعاد نفخ الروح في الأسطورة على الشاشة الكبيرة، فاتحاً بذلك جرح "النوستالجيا" لدى جيلٍ بأكمله عاصرَ المعجزةَ يوما ما.

عندما توقف الزمن في أكتوبر 1996

في السابع من أكتوبر 1996، كانت تونس أكبر من مجرد نقطة على الخارطة، كانت مركز الكون الموسيقي. فقد كانت المحطة العربية والمنطقة الإفريقية الوحيدة في جولة "HIStory" العالمية. يتذكر التونسيون إلى اليوم كيف تحوّلت العاصمة إلى خلية نحل؛ لافتات "ملك البوب" ملأت الشوارع، وأسعار التذاكر التي وصلت إلى 200 دينار تونسي (وهي ثروة بمعايير ذلك الزمان) لم تمنع 60 ألف متفرج من الزحف نحو ملعب المنزه.

كتبت الصحف التونسية حينها بعناوين عريضة غلب عليها الانبهار المشوب بالصدمة الثقافية. وصفت جريدة "الصحافة" و"لابريس" الحدث بأنه "تسونامي فني"، وركزت المقالات على "التقنيات السريالية" التي استُخدمت، من أشعة الليزر التي شقت سماء العاصمة إلى الألعاب النارية التي جعلت ليلة تونس نهارا.

كانت الصحافة تتحدث عن "ظاهرة كونية" كسرت رتابة المشهد الثقافي المحلي، ووضعت تونس في مصاف العواصم العالمية الكبرى.

كواليس "غزوة" المنزه

لم يكن الحفل مجرد حدث موسيقي، بل حالة من "الهذيان الجماعي" التي غذتها تفاصيل لا تصدق. فمشهد نزول مايكل جاكسون من طائرته في مطار تونس قرطاج، كان صورة أيقونية محفورة في ذاكرة كل من حضرها، وبدا الأمر لمحبّيه يومها أقرب بالخيال العلمي. خرج "ملك البوب" بلباسه العسكري المذهب ونظاراته السوداء، يلوّح للجماهير التي احتشدت بالآلاف، في مشهد سريالي جعل التونسيين يشعرون أنهم في قلب فيلم هوليوودي، وسط لافتات عملاقة كُتب عليها باللغتين العربية والإنجليزية: "تونس ترحب بمايكل جاكسون".

ومع هذا الانبهار، لم يخلُ الأمر من "الفانتازيا" التونسية الخالصة؛ حيث انتشرت في المقاهي والأحياء نظريات مؤامرة طريفة وقتها، رددها البعض ممن لم يستوعبوا ضخامة الحدث، زاعمين أن من نزل من الطائرة ليس "مايكل الحقيقي" بل شبيه له أُرسل لتمثيله! وهي إشاعات كانت تعكس، في جوهرها، عدم تصديق الشارع التونسي بأن الأسطورة العالمية موجودة فعلاً على بعد أمتار منهم.

سوق سوداء وأجانب في قلب العاصمة

وعلى هامش هذا الزخم، استغل بعض "المحترفين" حالة اللهفة، فظهرت قصص عن تحيّل في بيع تذاكر وهمية، حيث بيعت أوراق لا علاقة لها بالحفل لشباب حالمين بالدخول، مما خلق حالة من الهرج أمام الأبواب. ولم يقتصر الحضور على التونسيين فحسب، بل شهدت تونس "هجرة عكسية"؛ حيث قدم سياح وأجانب من أوروبا خصيصاً لحضور الحفل، مستغلين فرصة كونه المحطة الوحيدة والميسّرة في المنطقة، مما جعل مدرجات المنزه "بانوراما" بشرية عالمية.

سخاء "الملك"..

أما المفارقة الأجمل، والتي تزيد من قدسية هذه الذكرى، فهي أن مايكل جاكسون لم يتقاضَ مليماً واحداً مقابل هذا العرض. لقد كان حفلاً مجانياً من طرفه، حيث تنازل عن أجره بالكامل لفائدة العمل الخيري والتضامني في تونس. هذا الكرم حوّل الساعتين ونصف من الغناء إلى عرض أسطوري لم تبخل فيه التقنيات العالمية بأي جهد؛ فكانت المؤثرات البصرية والصوتية التي قُدمت تضاهي ما يُقدم في لاس فيغاس أو لندن، وكأن مايكل أراد أن يشكر تونس على طريقتها الخاصة، تاركاً إرثا ما يزال التونسيون يستحضرونه اليوم في قاعات السينما وهم يشاهدون فيلمه الجديد، متسائلين: "هل حقاً كان ذلك الرجل هنا؟".

علاقة "عشق وقضية": لماذا مايكل؟

ارتباط التونسيين بمايكل جاكسون يتجاوز كونه إعجابا بمغنّ يتقن الرقص، هو ارتباط برمز للتحرر والتمرد الفني. بالنسبة إلى الشاب التونسي في التسعينيات، كان مايكل يمثل "الحلم البعيد" الذي تحقق فجأة على أرض الواقع. كان "الفنان الذي لا يتكرر" لأنه لم يكتفِ بالتطريب، بل قدم عرضا بصريا وفلسفيا وإنسانيا ربما لم تعرف البلاد وأركاحها مثيلا له، ولن تعرف.

ذكريات التونسيين مع أغانيه مثل "Thriller" و"Billie Jean" هي موسيقى تصويرية لمرحلة انتقالية في تاريخ البلاد؛ مرحلة الانفتاح والبحث عن الهوية الكونية. واليوم، ونحن في عام 2026، نرى أولئك الذين وقفوا في طوابير المنزه عام 1996 وهم يجرّون أبناءهم إلى قاعات السينما ليقولوا لهم: "هذا هو الرجل الذي جعلنا نؤمن أن البلاد تحتمل المعجزات دائما''.

الجسر بين زمنين

يأتي الفيلم الجديد ليعمّق هذا الارتباط. جعفر جاكسون، بملامحه التي تكاد تندمج مع عمه، أعاد للتونسيين تلك الرهبة التي شعروا بها حين رأوا مايكل يخرج من "الكبسولة" على المسرح. التفاعل في القاعات التونسية بالأمس كان مزيجا من التصفيق والدموع؛ صمت مطبق عند مشاهد المعاناة الإنسانية للأسطورة، وهتاف مع كل حركة "Moonwalk" تظهر على الشاشة.

عودة ''صاحب القفاز الواحد'' إلى تونس عبر السينما، هي تأكيد على أن الأساطير لا تموت، بل تُعاد صياغتها لتلائم العصور. لقد ظل مايكل بالنسبة إلى التونسيين ذلك "المسافر الغريب" الذي جاء في ليلة مطيرة عام 1996، وبكى متأثراً بحبهم، ورحل تاركا خلفه صورا خرافية ما تزال ظلالها  في زوايا ملعب المنزه شبه المهجور اليوم، وفي قلوب الآلاف الذين أبصروا ''المعجزة'' بأمّ أعينهم يوماً ما.