اتفاقية جديدة ترسخ المغرب فاعلا موثوقا في المنظومة الأمنية الدولية
ستوكهولم/الرباط - وقّع المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، مذكرة تفاهم مع المفوضة العامة للشرطة الوطنية السويدية، فاتحا بذلك أفقًا جديدًا للتعاون مع فضاءات جغرافية لم تكن ضمن الدوائر التقليدية للتنسيق الأمني للمملكة، في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في مقاربة المغرب لتوسيع شراكاته الأمنية.
وتُعد هذه الاتفاقية، التي أُبرمت مطلع الأسبوع الجاري، إطارا قانونيًا متينًا لتعزيز التعاون بين الرباط وستوكهولم في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهي تهديدات لم تعد تعترف بالجغرافيا، ما يفرض توسيع شبكات التنسيق الأمني خارج النطاقات الكلاسيكية.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تقف عند بعدها الأمني المباشر، بل تتجاوزه إلى دلالات جيو-استراتيجية أعمق، فالدول الإسكندنافية، وعلى رأسها السويد، ظلت لسنوات طويلة بعيدة نسبيًا عن المغرب، سواء من حيث التعاون الأمني أو حتى من حيث التقارب السياسي، بل إن علاقاتها مع الرباط تأثرت في مراحل سابقة بسوء فهم لقضية الصحراء، ما انعكس أحيانًا في مواقف تميل إلى الطرح الانفصالي تحت مسمى "تقرير المصير" وهو عنوان لطالما روجت له جبهة بوليساريو تحت غطاء "المظلومية التاريخية" وهو غطاء انكشف مع افتضاح الجبهة على أكثر من مستوى بما أعاد تشكيل الراي العام الدولي لصالح الواقعية والمصداقية المغربية في هذا الملف.
من هذا المنظور، تبدو الاتفاقية الأخيرة أقرب إلى "اختراق نوعي" وكسر للجمود في فضاء جغرافي ظل مغلقًا نسبيًا أمام الدبلوماسية الأمنية المغربية، فهي لا تفتح فقط قنوات للتنسيق العملياتي، بل تسهم أيضًا في إعادة تشكيل نظرة بعض هذه الدول إلى الثوابت الوطنية للمغرب، وفي مقدمتها مغربية الصحراء، عبر بناء الثقة وتكريس شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار.
ويعكس هذا التوجه تحوّلًا تدريجيًا في فلسفة العمل الأمني المغربي، حيث لم يعد يقتصر على تأمين الداخل أو التعاون مع شركاء تقليديين في أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة، بل أصبح أداة دبلوماسية فاعلة تُستخدم لمد جسور التواصل مع مناطق جديدة، وتثبيت حضور المغرب كفاعل موثوق في المنظومة الأمنية الدولية.
وأتاح هذا "الانفتاح المدروس" الذي يقوده حموشي منذ سنوات استنادا إلى رؤية ملكية واقعية وهادئة في بناء شراكات دولية، للمغرب تجاوز حالة الجمود التي طبعت علاقاته مع بعض الدول الإسكندنافية، خصوصًا في المجالين الأمني والاستخباراتي. وقد تُوّج هذا المسار بتوقيع مذكرة التفاهم مع السويد، التي يُرتقب أن تشكل أرضية لتعاون مستدام، وتفتح الباب أمام شراكات مماثلة في شمال أوروبا.
وبرزت مؤشرات إضافية على اتساع هذا التوجه، إذ أبدت النرويج مؤخرا رغبتها في توسيع علاقاتها الأمنية مع المغرب، مع استعدادها لتوقيع اتفاق مماثل يؤطر التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وهو ما يعزز فكرة أن الاتفاقية مع السويد ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من مسار أوسع لإعادة رسم خريطة الشراكات الأمنية للمملكة.
ولم يقتصر هذا الحراك على الفضاء الإسكندنافي، بل امتد إلى مناطق جغرافية بعيدة، في تجسيد واضح لاستراتيجية تنويع الشركاء، ففي 21 مايو/ايار 2024، وقّع حموشي مذكرة تفاهم مع المدير العام للشرطة الاتحادية البرازيلية، في خطوة وُصفت بأنها بداية لانفتاح غير مسبوق على أميركا اللاتينية. كما أجرى في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه مباحثات مع مدير شرطة التحقيقات الجنائية في الشيلي، ما شكّل إعلان نوايا لتعاون مستقبلي مع فاعلين أمنيين جدد خارج الدوائر التقليدية.
وبالمنطق نفسه، عزز المغرب حضوره في القارة الإفريقية، حيث أبرم حموشي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اتفاقًا مع الشرطة الفيدرالية الإثيوبية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للإنتربول، في خطوة تؤكد أن الدبلوماسية الأمنية المغربية باتت تتحرك وفق رؤية شمولية تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
وبالتوازي مع هذا الانفتاح على شركاء جدد، حرص المغرب على تثبيت وتعميق شراكاته الاستراتيجية القائمة مع قوى دولية فاعلة، فقد تم في مارس/اذار 2024 توقيع مذكرة تفاهم مع شرطة لندن، عززت التعاون في مواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة. كما شهدت سنة 2024 توقيع اتفاق مع شرطة أبوظبي لتطوير التكوين الشرطي وتبادل الخبرات، فيما توّجت سنة 2025 بإبرام مخطط عمل مشترك مع الشرطة الوطنية الفرنسية، في إطار الارتقاء بالتعاون الأمني إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
وتُبرز هذه الدينامية متعددة الأبعاد أن المغرب لا يكتفي بتوسيع شبكة علاقاته الأمنية، بل يعمل على توظيفها كرافعة لتعزيز موقعه الجيو-استراتيجي، وتكريس نموذجه الأمني كمرجعية في محيطه الإقليمي والدولي.
وتتجاوز الاتفاقية الأمنية مع السويد كونها إجراءً تقنيًا للتعاون بين جهازين أمنيين، لتشكل مؤشرًا على تحوّل أعمق في تموضع المغرب دوليًا، فهي تعكس انتقال الرباط من منطق الشراكات المحدودة إلى منطق الحضور المتعدد في فضاءات جغرافية متباعدة، كما تؤكد أن الأمن أصبح أداة مركزية في الدبلوماسية المغربية، ليس فقط لمواجهة التهديدات، بل أيضًا لإعادة تشكيل التوازنات وبناء تحالفات جديدة تخدم المصالح العليا للمملكة.