'غول' الأسفلت.. معضلة الدراجات النارية تجتاح تونس
استحالت شوارع العاصمة التونسية في السنوات الأخيرة إلى ساحات وغى مفتوحة، يغزوها ضجيج المحركات السريعة وتنساب بين ممراتها آلات صلبة خفيفة، باتت تُعرف في الذاكرة الشعبية بأسماء توحي بالقوة والسرعة، لكنها تخفي في طياتها مأساة إنسانية وصحّية متفاقمة. إنها آفة الدراجات النارية، وتحديداً صنف "فورزا" الذي اجتاح الفضاء العام، محولا متعة التنقل إلى كابوس يطارد العائلات التونسية، ومحرّكا لنزيف حاد في جسد الصحة العمومية يتجاوز كونه مجرد حوادث عابرة ليصبح معضلة أمنية وصحّية بامتياز.
أرقام صادمة
وفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني لسلامة المرور، وشهادات الدكتورة نور نويرة، رئيسة قسم الاستعجالي بمستشفى منجي سليم، فإن الواقع يتجاوز كل التوقعات.
يمثل ركاب الدراجات النارية ما بين 40% إلى 42% من إجمالي قتلى حوادث الطرقات في تونس، وهي نسبة مفزعة تعكس هشاشة هذه الوسيلة. تؤكد إحصائيات 2025 أن تونس سجلت 1506 حادث مرور، أسفرت عن حصد أرواح 287 شخصا وإصابة 1935 جريحا، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن الدراجات النارية طرف في أكثر من 2500 حادث سنوي.
كما تشير الأرقام إلى أن 70% من الإصابات البليغة ناجمة عن حوادث الطرقات، وأخطرها تلك التي تقع على مستوى الرأس، حيث يلتزم 11% فقط من السائقين بارتداء خوذة الأمان، بينما تنعدم هذه النسبة تماما في بعض الولايات.
فوضى الأسطول: مليونا دراجة خارج السيطرة
تكمن المعضلة في حجم الأسطول الضخم الذي يجوب الشوارع دون رقابة إدارية كافية. تشير تقارير المرصد إلى وجود نحو 2 مليون دراجة نارية في تونس، إلا أن الصادم هو أن 20 ألفا منها فقط مسجلة رسميا وتملك لوحات منجمية. هذا الفراغ الإداري جعل من دراجات "فورزا" الصينية الصنع "سيدة الطرقات" بلا منازع، حيث يُقبل الشباب على شرائها لسرعتها وخفتها، رغم أنها تفتقر لأدنى معايير الأمان وشبه مرفوضة تماما من قبل شركات التأمين، مما يترك الضحايا والسائقين في مواجهة مصير مجهول بلا ضمانات قانونية.
انضافت إلى هذا الغول مؤخرا وسيلة أخرى لا تقلّ خطرا، وهي دراجة بعجلتين لكنها 'اوتوماتيكية' تعمل بالكهرباء (trottinettes)، وهي وان بدت صغيرة الحجم وغير شديدة السرعة، إلا أن الأطباء أطلقوا صيحات فزع حولها وحول الأعداد الكبيرة للحوادث الخطيرة التي تسببها في طرقات غير مهيّئة لاستيعاب مثل هذه الوسيلة. كما أن مستعمليها لجأوا إليها لكونها قليلة الكلفة والسعر، خاصة في السوق الموازية.
من وسيلة نقل إلى ثقافة "تباهٍ" وإجرام
لقد تحولت هذه الدراجة من أداة لسد خلل النقل العمومي ونقص أسطول النقل في العاصمة التونسية خصوصا، إلى رمز لثقافة مغامرة متهورة؛ إذ يتسابق المراهقون في "حلبات" الشوارع، مستعرضين مهاراتهم في الكبح والمناورة، مما يجعل فقدان السيطرة أمرا حتميا عند السرعات العالية.
ولم يقف الأمر عند حدود الحوادث، بل صارت هذه الآلات وسيلة طيعة في يد المنحرفين لتنفيذ عمليات النشل والسرقة في وضح النهار، مستغلين سرعتها الفائقة في الهروب عبر الأزقة الضيقة، وهو ما يضيف بُعدا أمنيا خطيرا للظاهرة.
هل من حل للنزيف؟
إن مواجهة هذا "الغول" الذي يبتلع الأرواح تتطلب صياغة عقد اجتماعي وقانوني جديد يتجاوز الحلول الترقيعية. قانونيا، لا بد من التطبيق الصارم للأمر الحكومي عدد 510، وفرض إجبارية رخصة السياقة واللوحات المنجمية على الجميع دون استثناء. أما أمنيا، فوجب تكثيف الرقابة على ارتداء الخوذة والحد من السرعة داخل المناطق العمرانية.
كما لا مجال لحلّ هذه الأزمة دون تحسين جودة النقل العمومي والمدرسي لانتزاع مبرر الاضطرار لاستخدام هذه الوسائل، مع تفعيل دور الأسرة في كبح جماح التهوّر لدى الأبناء.
إنها صيحة فزع تستوجب ألا تمر دون صدى؛ فكل ثانية تمر دون حزم تجاه هذا الانفلات المروري، تعني مزيدا من الجثث الملقاة على أرصفة الطرقات، مزيدا من المآسي الاجتماعية، ومزيدا من النحيب في بيوت التونسيين.