الطب يضع يده على لاعب رئيسي في ولادة سرطان الجلد
واشنطن ـ كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو عن دور محوري لبروتين يُعرف باسم 'HOXD13' في تطور سرطان الجلد، إذ تبيّن أنه لا يكتفي بتعزيز نمو الورم، بل يُسهم أيضا في إضعاف استجابة الجهاز المناعي، مما يفتح آفاقا جديدة لتطوير مقاربات علاجية أكثر فعالية تقوم على استهداف المسارين معا.
ووفقاً لما أورده موقع 'ساينس دايلي'، يعمل هذا البروتين منظِّما رئيسيا لنشاط عدد من الجينات المرتبطة بنمو الأورام، إذ يُحفّز تكوّن الأوعية الدموية داخل الورم، وهي العملية المعروفة علمياً بـ'تكوّن الأوعية'.
وتُعدّ هذه العملية أساسية لبقاء الخلايا السرطانية، لأنها تزوّدها بالأكسجين والمواد المغذية اللازمة لمواصلة النمو والانقسام.
وأظهرت نتائج الدراسة أن تقليل نشاط 'HOXD13' في النماذج التجريبية أدى إلى تراجع ملحوظ في حجم الأورام، مما يعزز الفرضية القائلة بأن هذا البروتين يؤدي دوراً حاسماً في تطور المرض واستمراره.
ويعني ذلك أن تعطيل هذا المسار قد يحدّ من قدرة الورم على التوسع والانتشار، وهو هدف محوري في علاجات السرطان الحديثة.
بيد أن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف لا تتوقف عند نمو الورم، بل تمتد إلى تأثيره على الجهاز المناعي. فقد بيّنت الدراسة أن 'HOXD13' يرتبط بارتفاع مستويات مادة الأدينوسين، وهو مركّب كيميائي يثبّط نشاط الخلايا المناعية، ولا سيما الخلايا التائية القاتلة التي تمثّل خط الدفاع الأول للجسم في مواجهة الخلايا السرطانية.
ويُفضي تراكم الأدينوسين في البيئة المحيطة بالورم إلى خلق ما يشبه 'حاجزا كيميائيا' يحول دون أداء الخلايا المناعية لوظيفتها بكفاءة، مما يتيح للخلايا السرطانية النمو دون مواجهة مقاومة فعّالة. وقد كشفت البيانات كذلك أن المرضى الذين يُسجّلون مستويات مرتفعة من هذا البروتين يعانون من شُح في الخلايا المناعية القادرة على اختراق الورم، وهو ما يرتبط عادةً بضعف الاستجابة للعلاج.
وفي هذا السياق، يرى الباحثون أن استهداف 'HOXD13' قد يُحقق تأثيرا علاجيا مزدوجا: تقليص إمدادات الدم المغذّية للورم من جهة، وتعزيز فاعلية الجهاز المناعي من جهة أخرى.
ويُعدّ هذا التوجه من أبرز الاتجاهات الراهنة في علاج السرطان، القائمة على الجمع بين العلاجات المضادة لتكوّن الأوعية والعلاجات المناعية بهدف تحقيق نتائج أكثر ديمومة.
واعتمدت الدراسة على تحليل عينات بيولوجية لأكثر من 200 مريض مصاب بسرطان الجلد، إلى جانب تجارب مخبرية متقدمة على الخلايا ونماذج حيوانية لمحاكاة تطور المرض.
ويُسهم هذا التنوع المنهجي في تعزيز موثوقية النتائج ومنحها ثقلاً علمياً أكبر، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولية.
ويُشير الباحثون إلى أن هذه النتائج قد تُمهّد مستقبلا لتطوير أدوية تستهدف هذا البروتين مباشرةً أو المسارات المرتبطة به، ولا سيما تلك التي تُنظّم مستويات الأدينوسين في البيئة الورمية. كما قد تفتح الطريق أمام علاجات أكثر دقةً تراعي الخصائص الجزيئية لكل مريض، وهو ما يُعرف بـ'الطب الشخصي' أو 'الطب الدقيق'.
غير أن الفريق العلمي يؤكد أن الطريق لا يزال طويلا قبل تحويل هذه النتائج إلى علاج معتمد، إذ يستلزم ذلك إجراء تجارب سريرية موسّعة للتثبت من سلامة أي دواء محتمل وفعاليته. يُضاف إلى ذلك أن تعقيد التفاعلات بين الخلايا السرطانية والجهاز المناعي يفرض تحديات إضافية أمام الباحثين.
وفي سياق أشمل، يندرج هذا الاكتشاف ضمن الجهود العالمية الرامية إلى فهم الآليات الجزيئية الكامنة وراء تطور السرطان، خاصةً سرطان الجلد الذي يُصنَّف من أكثر أنواع السرطان شيوعاً في العالم. ويأمل العلماء أن تُسهم هذه الأبحاث في تحسين معدلات التشخيص المبكر وبلورة استراتيجيات علاجية أكثر دقةً ونجاعة.
وخلاصة القول، يمثّل بروتين 'HOXD13' هدفاً واعدا في أبحاث السرطان، إذ يجمع بين تأثيرين محوريين في مسار المرض: دعم نمو الورم وتعطيل المناعة. وإن أُحسن استثمار هذا الاكتشاف، فقد يُفضي إلى جيل جديد من العلاجات التي لا تكتفي بمحاربة الورم، بل تُعيد أيضاً تفعيل قدرة الجسم الطبيعية على مقاومته.