نجاح ساحق لـ 'وشم الريح' أوّل فيلم سينمائي لليلى التريكي

العمل يكشف رؤية فنية عميقة لقضايا الهوية والذاكرة والهجرة، ويؤكد سداد المخرجة المغربية في أول تجربة روائية طويلة حظيت بإشادة دولية واسعة.

يُعد فيلم "وشم الريح" للمخرجة المغربية ليلى التريكي واحدًا من أبرز الأعمال السينمائية المغربية في السنوات الأخيرة، إذ يمثل أول فيلم روائي طويل لها، صدر الفيلم عام 2024 ويمتد لمدة تقارب 106 دقائق، ويجسّد تجربة فنية ناضجة تحاكي قضايا إنسانية بالغة الأهمية، ويروي العمل قصة "صوفيا"، مصورة فوتوغرافية شابة تعيش في مدينة طنجة الساحرة، التي تنقلب حياتها رأسًا على عقب عندما تكتشف، بعد ثمانية وعشرين عامًا، أن والدتها الفرنسية لا تزال على قيد الحياة.

وكانت "صوفيا" قد عاشت طوال سنواتها معتقدة أن والدتها توفيت، بناءً على رواية والدها، الأمر الذي يفتح أمامها أبوابًا من الأسرار العائلية والجراح المكبوتة، ويستلهم الفيلم قصصًا واقعية لمهاجرين مغاربة توجهوا إلى أوروبا في سبعينيات القرن الماضي، ويطرح بجرأة وحساسية موضوعي الهوية المركبة والاغتراب، ومن خلال عدسة الكاميرا يصبح الفيلم لوحة بصرية ونفسية تُبين صراع الأجيال الثانية بين ثقافتين مختلفتين، ويبرز قدرة ليلى التريكي على تحويل الدراما الشخصية إلى قضية إنسانية عامة تلامس الوجدان.

وتدور أحداث الفيلم حول رحلة "صوفيا" الداخلية والخارجية بحثًا عن جذورها المفقودة، إذ تنطلق من طنجة نحو مدن فرنسية مثل بوردو لمواجهة ماضيها، وتكتشف البطلة تدريجيًا أسرارًا دفينة حول زواج والديها المختلط، وأسباب الانقطاع العائلي، والكذب الذي شكّل طفولتها، ويستخدم الفيلم التصوير الفوتوغرافي كرمز مركزي، إذ تصبح كاميرا "صوفيا" أداة للبحث عن الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه تُظهر صعوبة التقاط صورة كاملة لهوية مشتتة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتتنقل المشاهد بسلاسة بين أجواء طنجة المتلاطمة أمواجها وبين البرودة الأوروبية، الأمر الذي يعزز شعور الغربة والانفصال الذي تعيشه الشخصيات.

ويتميز السيناريو، الذي كتبته ليلى التريكي بالتعاون مع كيث كانينغهام، بعمق نفسي يتجنب السطحية ويغوص في التفاصيل العاطفية للعلاقات الأسرية، ويقدم الفيلم صورة واقعية لتأثير الهجرة على الأبناء، إذ يصبح الفقد جرحًا ينتقل عبر الأجيال ويؤثر في تشكيل الذات.

ويبرز أداء وداد إلما في دور "صوفيا" قوة فنية لافتة، إذ تجسد الصراع الداخلي بين الغضب والحنين، والرفض والرغبة في المصالحة، وتظهر الشخصية الرئيسية كامرأة حديثة تسعى للاستقلال عن الوصايا الأبوية، لكنها تواجه في الوقت نفسه فراغًا وجوديًا يدفعها لإعادة بناء هويتها، ويساهم محمود نصر بدور "ريان" في إضافة لمسة إنسانية دافئة وداعمة لرحلة "صوفيا"، بينما يقدم الجيلالي فرحاتي ونادية نيازي أدوارًا ثانوية غنية تعزز بنية الفيلم الدرامية، ويُبين الأداء عمق الشخصيات وتعقيدها، الأمر الذي يجعل المشاهد يتعاطف مع صراعاتهم اليومية والوجودية.

وتتجنب ليلى التريكي الوقوع في فخ الميلودراما، وتفضل بدلًا من ذلك بناء توتر هادئ يعتمد على الصمت والنظرات والتفاصيل الصغيرة التي تكشف الكثير، ويصبح الفيلم بذلك دراسة نفسية دقيقة لما يعنيه أن تكون ابنًا لمهاجر في عالم يفرض عليك اختيار هوية واحدة.

ويطرح الفيلم قضية الهوية المركبة في عصر الهجرة والعولمة، إذ يصبح الفرد معلقًا بين ثقافتين دون انتماء كامل لأي منهما، وتُبين رحلة "صوفيا" صعوبة المصالحة مع الماضي عندما يكون مبنيًا على أكاذيب عائلية، وتسلط الضوء على جراح الأبناء الذين يدفعون ثمن قرارات آبائهم، ولا يقدم الفيلم حلولًا سهلة أو نهايات سعيدة تقليدية، بل يترك المشاهد أمام أسئلة مفتوحة حول معنى الانتماء والغفران.

ويحمل الفيلم لمسة شعرية مميزة تجعل من "الريح" رمزًا للذاكرة المتقلبة التي تترك آثارها على الوجدان مثل وشم دائم، وتتداخل المشاهد بين الواقع والذكريات، الأمر الذي يخلق طبقات متعددة من السرد تُبين تعقيد الوعي البشري، وينجح الفيلم في تجنب الخطاب المباشر، مفضلًا التعبير البصري والعاطفي الذي يترك أثرًا طويل الأمد في نفس المشاهد.

ويتميز "وشم الريح" بتصوير سينمائي جميل يجمع بين الواقعية والشاعرية، مع استخدام ذكي للإضاءة والألوان لتعكس الحالات النفسية للشخصيات، ويساهم المونتاج في إيقاع تأملي يسمح للمشاهد بالتفاعل مع الرحلة العاطفية دون تسرع، بينما تبني الموسيقى والصوت جوًا من التأمل المشحون بالتوتر الهادئ، وينجح الفيلم في استخدام المكان كشخصية ثالثة، إذ تلعب طنجة دورًا محوريًا كمدينة حدودية تُبين التقاء الثقافات والتناقضات.

وحقق "وشم الريح" حضورًا قويًا ومتميزًا في المهرجانات الوطنية والدولية، وحصد العديد من الجوائز التي تؤكد قيمته الفنية والإنسانية، بدأت مسيرة تتويجاته بفوزه بجائزة أفضل فيلم أول في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، الأمر الذي يُعد اعترافًا رسميًا بنجاح التجربة الأولى للمخرجة، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم في المهرجان الدولي للفيلم بقازان في روسيا، الأمر الذي يُبين قدرته على مخاطبة جمهور عالمي، وفي المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة نال جائزة لجنة التحكيم أيضًا، ليثبت حضوره القوي على الساحة الإفريقية، وهذه الجوائز المبكرة فتحت أبوابًا واسعة أمام الفيلم ليواصل مشواره الدولي بثقة وتميز.

فيلم وشم الريح
حضور متميز وطنيا ودوليا

ومن أبرز إنجازات الفيلم الفوز بالجائزة الكبرى "الشاشة الذهبية" في مهرجان الشاشات السوداء بالكاميرون، وهي جائزة تُعد تتويجًا مهمًا للسينما الإفريقية، كذلك حصل على جائزة نور الشريف لأفضل فيلم عربي في مهرجان الإسكندرية المتوسطي للفيلم، الأمر الذي يبرز مكانته ضمن الإنتاج العربي المتميز، وفي مهرجان رامسغيت الدولي للسينما بالمملكة المتحدة فاز بجائزة أفضل فيلم أول، ليؤكد جودته أمام لجان تحكيم أوروبية، أما في المهرجان الدولي المغاربي للسينما بوجدة فقد نال جائزة أفضل سيناريو، مشيدًا بقوة النص وعمقه الدرامي، وتتنوع هذه التتويجات لتشمل جوانب متعددة من العمل، من الإخراج إلى السيناريو مرورًا بالأداء والتصوير.

وحقق الفيلم في المهرجان الدولي للفيلم حول حقوق الإنسان في نيامي بالنيجر إنجازًا كبيرًا بحصده الجائزة الكبرى "Ténéré d’OR"، إلى جانب جائزة أفضل إخراج وجائزة أفضل صورة، ويُبين هذا التتويج الثلاثي القدرة الفنية الشاملة للعمل وقدرته على مناقشة قضايا حقوقية وإنسانية بطريقة مؤثرة، كما فاز بجائزة الإخراج في المهرجان الدولي للسينما والهجرة بأوتريخت في هولندا، الأمر الذي يؤكد نجاحه في معالجة موضوع الهجرة ببعد فني كبير، وأخيرًا حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم في مهرجان السينما والذاكرة المشتركة بالناظور.

وأثبت  المخرجة ليلى تريكي  في "وشم الريح" أن لها رؤية سينمائية متميزو تفتح آفاقًا جديدة أمام السينما المغربية المعاصرة، ويمثل الفيلم إضافة نوعية للسينما المغربية التي تسعى للخروج من الإطار المحلي نحو آفاق عالمية أوسع، وينجح في الجمع بين الخصوصية الثقافية المغربية والعمق الإنساني العابر للحدود، الأمر الذي يجعله قابلًا للتفاعل مع جمهور متنوع، وتفتح تجربة ليلى التريكي الباب أمام مخرجات مغربيات أخريات لاستكشاف قضايا الهوية والذاكرة بجرأة ونضج فني.