'لي وجودٌ ولك وجود' دعوة إنسانية راقية للاعتراف بالآخر
قصيدة "لي وجودٌ ولك وجود" للشاعر جابر بسيوني بديوانه الأخير "خيمة الليل"، تُعد دعوة إنسانية راقية للاعتراف بـ "الآخر" ونبذ النرجسية الفكرية. ينطلق فيها الشاعر من مبدأ كوني بسيط: الأشياء لا تُعرف إلا بأضدادها (الأبيض والأسود)، أو كما قال المتنبي: "وبضدها تتميزُ الأشياءُ".
فلسفة القصيدة تؤكد على أن الوجود ليس للأقوى أو للأوحد، بل الوجود هو لوحة فسيفسائية لا تكتمل إلا بوجود جميع الألوان والآراء.
يركز نص بسيوني على انتقاد الشخصية الإقصائية التي تحاول: حجب الحقيقة (وضع اليد على العين لحجب الشمس) والسيطرة والتقييد (صناعة قفص من الظلم لمنع الآخرين من التحليق) والتعالي (اعتبار الحاجة الشخصية هي الأسمى والسبيل هو الأعلى).
استخدم الشاعر ثنائيات ذكية لتوضيح أن الاختلاف طبيعة فطرية: مثل الأسد والذئب التي توضح اختلافًا في المكانة والقوة، لكن لكل منهما "خطو". والاختلاف في الاتجاه، لكنهما يشكلان المساحة. الطائرة وظهر البعير، فكلاهما وسيلة وصل، والعبرة بالهدف (الوصول) لا بالأداة.
استخدم الشاعر الرمزية والصور الجمالية مثل التبر والفضة، وهي دعوة لتقدير قيمة كل شخص حسب معدنه، فلا الفضة تُلغي الذهب، ولا الذهب يجعل الفضة بلا قيمة.
إن هناك رفضًا للزرع الأوحد، وهو رمزٌ لرفض الاحتكار الفكري؛ فالأرض تتسع لكل المحاصيل، والحياة تتسع لكل الأفكار. وفي تعبير "بساط الأرض" يصور الشاعر الأرض كمساحة مشتركة تتطلب "مد الكف" والتعاون (العون بواخر) للنجاة من "أنواء" الحياة ومشكلاتها.
ويختم الشاعر القصيدة بلمسة إنسانية عميقة يقول فيها: "فكلانا من ماء". هذه العبارة تذوب أمامها كل الفوارق الطبقية، العرقية، والفكرية. هي تذكير بأن الأصل واحد، والمصير واحد، والوجود حق مشاع للجميع.
نخلص إلى أن هذه القصيدة هي مانيفستو (بيان) ضد الاستبداد بالرأي، وتدعو إلى "التعايش السلمي" القائم على الاحترام المتبادل، حيث "أنا موجود لأنك موجود".
ولعل انتماء الشاعر لمدينة الإسكندرية يفسر بوضوح استحضار رموز مثل البواخر، والأنواء، ووسع الفضاء في قصيدته. فالإسكندرية، بصفتها مدينة كوزموبوليتانية (متعددة الثقافات) تاريخياً، تنعكس في شعره من خلال:
نبرة التسامح: ذلك أن المدن الساحلية تميل عادةً للانفتاح وقبول الآخر، وهو الجوهر الذي قامت عليه القصيدة.
الصور البحرية: استخدام مفردة "الأنواء" (وهي العواصف البحرية المعروفة في الإسكندرية) و"البواخر" كرمز للتعاون والنجاة، يعكس بيئة الشاعر المباشرة.
إن هذه القصيدة تؤكد نزعة الشاعر الإنسانية والتفاؤلية، وهي نموذج لأسلوبه الذي يمزج بين البساطة في اللفظ والعمق في الفلسفة الوجودية. إنه يركز في كثير من أعماله على قيم التجدد والتعايش. وهذا يتضح حتى في عناوين دواوينه مثل: "كل صباح أتجدد"، و"نورس لا يرى إلا الجميل"، و"لحن الماء"، و"الطيبون يرحلون"، و"الكون جميل" والأخير ديوان موجه للأطفال يرسخ قيم التفاؤل وحب الطبيعة.
اعتمد الشاعر في قصيدته المشار إليها على بنية التضاد، أو الثنائيات الضدية؛ مثل: الأبيض/الأسود، التبر/الرمل، الأسد/الذئب، الطول/العرض. هذه الثنائيات هي العمود الفقري للقصيدة، والهدف منها ليس المفاضلة، بل إثبات أن الوجود "كلٌ متكامل" لا يتحقق إلا بظهور الطرفين.
وقد انتقل الشاعر من الاستفهام إلى التقرير، حيث بدأت القصيدة بأسئلة استنكارية (ما فائدة..؟ هل يتساوى..؟) لزعزعة قناعات الطرف الإقصائي، ثم انتقلت إلى جمل تقريرية مباشرة (موجود أنت.. وأنا موجود) لترسيخ الحقيقة النهائية. كما اعتمدت القصيدة على بنية التكرار: تكرار "لماذا" الاستنكارية و"كلانا" التأكيدية، مما خلق إيقاعًا داخليًّا يشد القارئ أو المستمع إلى جوهر القضية، وهي (المشاركة).
استخدم الشاعر مفردات الطبيعة: الشمس، البدر، الطير، الثعبان، الزرع، الماء. فالطبيعة هنا هي المعلِّم الذي يقبل التنوع دون اعتراض، وكأنه يقول إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشذُّ عن هذه القاعدة الكونية.
كما استخدم لغة الـ "نحن" والـ "أنت"، فكان الخطاب موجّهًا بضمير المخاطب (أنت / تنكر/ تسير) لمواجهة "الأنا" المتضخمة، بينما استخدم ضمير المتكلم (أنا / طيري / خطاي) للتعبير عن الذات المهمَّشة التي تطالب بحقها في الوجود. كما استخدم التكثيف الرمزي في التبر رمز للقيمة، القفص رمز للقمع، الماء رمز لوحدة الأصل الإنساني.
تنطلق القصيدة إذن من مبدأ الغيرية، فالأنا لا تتحقق قيمتها إلا من خلال الغير أو "الآخر". (ما فائدة الأبيض إن لم يظهر كون الأسود؟).
وقد لاحظنا أن الشاعر يهاجم فكرة المركزية الذاتية (أن تكون حاجتي هي الأسمى). هي دعوة لـتطبيق النسبية؛ فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، والكون يتسع لجميع المسارات.
ونشير إلى أن الوجود في القصيدة ليس عبثًا، بل هو تعمير بالحب ونهضة، وهو وجود مشروط بالتعاون (العون بواخر).
إن الشاعر يحلل نفسية الشخص الإقصائي الذي يشعر بالتهديد من وجود الآخرين، فيلجأ لصناعة أقفاص معنوية أو مادية ليحبسهم. وتعكس الأبيات رغبة نفسية عارمة في التحليق والسمو، وهي حاجة فطرية يرفض الشاعر كبتها.
وقد لاحظنا أن نبرة الثقة بالذات تظهر في النص من خلال (لي طير / زرع / خطو)، وهي تعبير عن الأنا السويّة التي لا تطلب إلغاء الآخر، بل تطلب مساحة مساوية له.
كما لاحظنا هيمنة الأفعال المضارعة (يظهر، يتساوى، يتعانق، يحيا، يمضي، نَسْلَم). وهو ما يعطي القصيدة صفة الديمومة؛ فالصراع بين الإقصاء والقبول ليس حادثة تاريخية، بل هو صراع يومي ومستمر. أما الزمن الغائي (المستقبل) فيظهر في قوله ''الكون إذا شئنا أن نَعمرَ بالحبِّ ونغرس''. هو زمن الشرط المرتبط بالفعل الإنساني؛ فالمستقبل الجميل مشروط بلحظة الاعتراف الحالية.
وفي الختام "كلانا من ماء"، نرى الشاعر يعود بالزمن إلى نقطة البداية (الأصل)، ليلغي الفوارق الزمنية والطبقية التي أحدثها البشرُ لاحقًا.
إن جابر بسيوني في هذه القصيدة ينسج رؤية كونية شاملة، حيث اللغة تخدم الفلسفة، والبناء يخدم الفكرة، لينتج نصًّا إنسانيًّا يتجاوز حدود الإسكندرية ليخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.
ونتوقف أمام المقطع:
''فلماذا تنكر طيري وتسدّ خطاي
وتسير وتزهو بخطاك وترشد طيرك نحو سماك
وترى أن الزرع الأوحدَ زرعُك
فكلانا فوق بساط الأرض يمدُّ الكفَّ لكف الآخر
والعون بواخر''
يمثل هذا المقطع الذروة الدرامية في القصيدة، حيث ينتقل الشاعر جابر بسيوني من التجريد والفلسفة الكونية إلى المواجهة المباشرة مع "الآخر" المستبد.
في ثنائية ''الأنا / الآخر'' يظهر الصراع بوضوح عبر تقابل الملكية: طيري/طيرك، خطاي/سماك، زرعي/زرعك. الشاعر لا ينكر ما للمخاطب، بل يستنكر إنكار المخاطب لما للشاعر.
وقد لاحظنا الاستعارة المكنية في قوله ''تسدُّ خطاي'' حيث صوّر المبادرات والأهداف كطريق مادي يُغلَق، مما يوحي بالتعنت والمنع القسري. كما نلاحظ التصوير المتناقض في قوله ''ترشد طيرك نحو سماك'' مقابل ''تُنكر طيري''. هنا يبرز "الاستحواذ"؛ فالآخر يمنح نفسه الحق في توجيه أحلامه للسماء، بينما يسلب هذا الحق من غيره.
أما التشبيه (العون بواخر) فهو صورة مبتكرة مستمدة من بيئة الإسكندرية؛ فالعون ليس مجرد كلمة، بل هو بواخر ضخمة محمَّلة بالخير، توحي بالثقل، والقيمة، والقدرة على عبور المحيطات الصعبة.
إن تراكم الأفعال المضارعة المتسارعة: تنكر، تسد، تسير، تزهو، ترشد، ترى.. في هذا المقطع يجسد حالة الطغيان أو الاستعلاء التي يمارسها الآخر في لحظة واحدة، مما يخلق ضغطًا نفسيًّا على القارئ أو المستمع للقصيدة ليشعر بمدى الظلم.
يبدأ المقطع بأفعال الحصار (تسد، تنكر)، وينتهي بصورة بساط الأرض والبواخر. هذا الانتقال يمثّل الحل الذي يطرحه الشاعر: الخروج من سجن "الأنا" إلى رحابة "المشاركة".
وفي قوله "الزرع الأوحد زرعُك"؛ يضرب الشاعر جذر الفكر الإقصائي، وهو الاعتقاد بأن "حقيقتي هي الوحيدة" أو "نجاحي هو الذي يستحق". فلسفيًّا، يثبت الشاعر أن الأرض بساطٌ يتسع للجميع، وأن الأحادية هي ضد طبيعة الوجود الذي قام على التعدد.
وقد لاحظنا سيكولوجية الزهو في ''تزهو بخطاك'' التي ترصد الحالة النفسية للمستبد الذي لا يكتفي بالفعل، بل يستمتع بإظهار تفوقه الوهمي أمام الآخر المحاصر.
وتبرز الرغبة في السلام والتسامح من خلال ''يمد الكفَّ لكف الآخر'' التي تعكس نزوعًا نفسيًّا نحو الأمان. الشاعر هنا لا يواجه العنف بالعنف، بل يواجه السد في قوله "تسد خطاي" بـ "مد الكف"، وهي قمة النضج النفسي الذي يحول الصراع إلى تصافح. خاصة أننا جميعًا نعيش على ''بساط الأرض'' وهي عبارة ذكية جدًّا؛ فالبساط يوحي بالاستواء والمساواة، فلا أحد أعلى من أحد فوق البساط. هو مكان "أفقي" يرفض "التراتبية" التي يحاول المستبد فرضها. أما المكان المفتوح فهو استخدام (البواخر) حيث ينفتح أفق النص على البحر، وهو رمز للحرية والحركة الدائمة التي لا يمكن لسد أو قفص أن يوقفها.
نرى في هذا المقطع أن الشاعر جابر بسيوني يوجه دعوة للمصالحة الوجودية. إنه يقدم معادلة بسيطة: بدلاً من أن تستهلك طاقتك في "سد خطاي"، استثمرها في "مد كفك"؛ لأن السفن (البواخر) لا تسير إلا بتعاون الرياح والموج والبحارة معاً. كما أن الشاعر ينتقل من التنظير الفلسفي إلى المواجهة الدرامية المباشرة، محولاً النص إلى "محاكمة وجدانية" لسلوك الاستحواذ والإقصاء.
ونخلص إلى أن هذا المقطع من القصيدة ليس مجرد عتاب شعري، بل هو "مانيفستو أخلاقي" يعيد صياغة العلاقة بين الذات والآخر على أسس مادية ومعنوية صلبة. لقد نجح جابر بسيوني في جعل الكلمة جسرًا، والرؤية بوصلة، مرسخًا حقيقة أن الوجود الحق هو الذي يبدأ بالاعتراف بـ "يد" الآخر قبل الانطلاق نحو "سماء" المشتركات.
القصيدة:
''ما فائدةُ الأبيض إن لم يُظهر كونَ الأسود؟!!
ما قيمة تبر الذهب الخالص إن قيس برمل الأرض؟!!
هل يتساوى خطو الأسد بخطو الذئب؟!
هل يتعانق خط الطول وخط العرض؟!
كل المخلوقات لها صوت ووجود
والكائن أيًّا كان له رأي وحدود
فلماذا تحجب ضوء الشمس بوضع يديك على عينيك؟
ولماذا تصنع من ظلمك قفصًا يجمع كل الطير لكي لا تعلو للسحب وتحيا؟
فالأقدام تسير بنا كيف نشاء
وجناحا الطير لكي تسمو في وسع فضاء
والثعبان على بطنٍ يمضي
ولكل سبلٌ وأمانيُّ وحاجة
فلماذا تعلن أن الحاجةَ حاجتُك الأسمى
وسبيلك فينا الأعلى ..؟
ولماذا تنكر نور البدر إذا المصباح أُنِير؟
فوسيلة وصلٍ طائرة كانت أو ظهر بعير
موجودٌ كل الموجودات على الخطوات
ولكلٍّ عمرٌ وحياة
والكون إذا شئنا أن نعمر بالحب ونغرس في الأعماق النهضة
نعترف بقدر التبر وقدر الفضة
فلماذا تنكر طيري وتسدّ خطاي
وتسير وتزهو بخطاك وترشد طيرك نحو سماي
وترى أن الزرع الأوحدَ زرعُك
فكلانا فوق بساط الأرض يمدُّ الكفَّ لكف الآخر
والعون بواخر
ولكي نسلم في الأنواء
لا بد وأن نعرف كلَّ الآراء
وبغض النظر عن الأسماء
موجودٌ أنتَ على دربي
وأنا في دربك – حتمًا – موجود
لكلينا طيرٌ / زرعٌ / خطوٌ ورجاءْ
فكلانا من ماء.''