حين تُصنَع الأوهام بالصواريخ: أربيل بين سردية التجسس وحقيقة الدم
ثمة لحظات في التاريخ لا تُنتَج عن صراع حقيقي، بل عن حاجة ماسّة إلى صراع متخيَّل. حين تعجز القوى عن مواجهة أزماتها الداخلية، تستدعي عدواً من الهواء، وتُلبسه أسماء كبيرة كي يبدو الخوف مشروعاً، والقصف عدلاً، والدم ضرورةً. ومنذ سنوات، تُوظَّف أربيل في هذا الدور؛ ليس لأن ما يُقال عنها صحيح، بل لأنها الطرف الأيسر قصفاً، والأقل كلفة سياسية في هذه المعادلة الإقليمية المعقدة.
لم تتوقف الادعاءات المتعلقة بما يُسمى "الموساد في أربيل" عن التداول منذ سنوات في الفضاء الإعلامي الإقليمي، تتناقلها وكالات أنباء تابعة لأجهزة قضائية رسمية، وتُعيد إنتاجها منصات تعمل وفق منطق التعبئة لا وفق منطق الخبر. غير أن المسألة لم تكن يوماً مسألة كمّ؛ فالتكرار لا يصنع الحقيقة، والادعاءات ليست دليلاً. فالمسألة في جوهرها تكمن في "هل ثمة أدلة؟" وإن غابت الأدلة، فما الذي تخفيه هذه السردية وراءها؟
فلمن يُعمل التفكير في بنية هذه الاتهامات، يلاحظ نمطاً متكرراً يكاد يكون قانوناً، فالادعاء دائماً ما يكون أكبر من التفاصيل. تُطرح الاتهامات في صيغ عامة؛ "مقرات سرية"، "تدريبات غير معلنة"، "شبكات تجسس"، من دون أن يُرفق بها موقع محدد يمكن التثبت منه، أو وثيقة مستقلة، أو تحقيق صحفي جاد يستند إلى متعدد المصادر. وهذا الغياب ليس هامشاً في القصة؛ بل هو القصة كلها. تقول "الموساد في أربيل" ولا تحدد متى، ولا أين بالضبط، ولا كيف. وفي هذا التعميم المتعمد تكمن حصانة الكذبة: ما لا حدود له لا يمكن دحضه بالحدود.
الأحداث الاستخباراتية الحقيقية حين تُكشف لاحقاً، تظهر دائماً عِبر تراكم أدلي: تسريبات متعددة، وثائق، تحقيقات صحفية مستقلة، اعترافات رسمية أو شبه رسمية. ولا شيء من هذا موجود في الملف المطروح حول أربيل وإقليم كردستان. بل إن لجان التحقيق الاتحادية في بغداد، وهي الجهة صاحبة الولاية السيادية بالكامل على هذا الملف، أعلنت مراراً بعد كل عملية قصف أنها لم تعثر على أدلة مادية أو استخباراتية تثبت أن المواقع المستهدفة كانت تحتضن أي نشاط من هذا النوع. كانت تلك المواقع، في كل مرة، منازل لمدنيين ورجال أعمال، لا أسرار أمنية.
وهنا يطرح المنطق الجيوسياسي سؤالاً لا يتحمل التهرب: لو افترضنا وجود مقر استخباراتي بهذا الحجم والأهمية في أربيل، فكيف يخفى عن أجهزة استخبارات الدولة العراقية التي تربطها بطهران علاقات وثيقة؟ وكيف يُغيب عن الأقمار الصناعية الدولية التي ترصد المنطقة بدقة لا تترك فيها هامشاً للخفاء؟
الإجابة البسيطة أنه لا يُخفى لأنه ببساطة لا وجود له. أما الإجابة الأعمق، فهي أن طرح هذا الادعاء لم يكن يستهدف الإقناع العقلي أصلاً، بل استهدف شيئاً آخر تماماً.
يقدم لنا الفيلسوف الألماني كارل شميت، وهو من أخطر فلاسفة القرن الماضي وأكثرهم إشكالية" مفتاحاً نظرياً لفهم هذه المعادلة. في فكره، السياسة لا تقوم إلا بالتمييز بين الصديق والعدو؛ فالعدو ليس الشرير بالضرورة، بل هو الآخر الذي يكفي وجوده ليشكّل تهديداً لوحدة الهوية وتماسك السيطرة. وإقليم كردستان، بما يمثله من كيان يتمتع بخصوصية قومية وقرار اقتصادي نسبي وقوة أمنية مستقلة، يشكّل من منظور هذا الفكر الشمولي "عدواً مفترضاً" لا لأنه يشكل تهديداً فعلياً، بل لأن وجوده المستقل ذاته يكسر مشروع السيطرة المركزية ويُربك تماسكه.
تُمثّل وكالة "ميزان" الإعلامية، التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، الذراع الذي يصنع الغطاء القانوني والإعلامي لما يُنجزه القصف على الأرض. ولا أدل على طبيعة هذه الوكالة من التناقض في منهجها: تدّعي وجود أدلة على أنشطة تجسس في أربيل، ثم تتجاهل تماماً القنوات القانونية الرسمية التي ينبغي أن تُودَع فيها هذه الأدلة. إن كانت هذه الأدلة حقيقية، فلماذا لا تُسلَّم للقضاء العراقي؟ ولماذا لا تُرفع إلى المجتمع الدولي؟ ولماذا لا تُقدَّم للمفوضية السامية للأمم المتحدة؟
الإجابة واضحة: لأن هذه "الأدلة" لا تتحمل الضوء. إنها مواد للاستهلاك الداخلي، تُصنَع لجمهور لا يُراد له أن يسأل، بل أن يصدّق. وهو ما يضعنا أمام ما وصفه ميشيل فوكو بـ"السلطة التي تُنتج الحقيقة": لا يُنقل الخبر هنا، بل يُصنع. لا تُكشف الوقائع، بل تُفبرك. والفبركة لا تحتاج إلى وثائق؛ تحتاج فقط إلى منبر وتكرار.
والأخطر من ذلك أن وكالة "ميزان" تمارس ما يمكن وصفه بـ"الإرهاب المعرفي"؛ فهي تحكم وتدين وتنفذ الحكم في آن واحد، وهو ما يُعدم أبسط مبادئ العدالة التي تقتضي وجود طرف محايد للتحقيق. حين يسقط صاروخ على منزل رجل أعمال في أربيل، تصف الوكالة الموقع بـ"المقر الاستراتيجي".
لكن حين تُنشر صور الضحايا، نرى أطفالاً ونساءً ومدنيين. وهذا التناقض بين الادعاء والصورة هو التفنيد الأمضى: أين معدات التجسس؟ أين التحصينات العسكرية تحت الأرض؟ أين الجثث التي تُثبت أن الغارة أصابت عناصر استخباراتية لا أسرة مدنية؟ لا يوجد من ذلك شيء. وغياب الدليل، في هذا السياق، ليس تفصيلاً عابراً، بل هو الحجة الأقوى.
وأما من الزاوية الجيوستراتيجية الصارمة، اختيار أربيل هدفاً يُخضع لمنطق لا يخطئ: أربيل ليست هدفاً لأنها تضم ما يُقال إنها تضمه، بل لأنها الطرف الأسهل. ضرب منشآت إسرائيلية مباشرة ينطوي على مخاطر ردود فعل عسكرية ثقيلة. ضرب قواعد أمريكية كبرى يستدعي حسابات دولية بالغة التعقيد. لكن ضرب أربيل أمر آخر تماماً: التكلفة السياسية محدودة، والرد العسكري مقيّد بالاعتبارات الداخلية العراقية، والأثر الدعائي مضمون في الشارع الذي يصدّق الرواية بلا أسئلة.
وهذا يجرنا لسؤال في ظاهره بسيط لكن الإجابة تحتاج لتفكير عميق، وهي لماذا أربيل تحديداً؟
لفهم سبب استهداف أربيل تحديداً، لا بد من قراءة الخارطة الجيوسياسية بعيداً عن خطاب التبرير. يمثل إقليم كردستان، جغرافياً وسياسياً، عائقاً أمام التمدد الكامل لمشروع "وحدة الساحات"؛ ذلك المشروع الذي يسعى إلى ربط طهران ببيروت عبر ممر بري يمر بالعراق وسوريا. وجود كيان يتمتع بإدارة ذاتية راسخة في القلب من هذه الجغرافيا يجعل هذا الممر ناقصاً، وأمل السيطرة الكاملة مؤجَّلاً.
ليس هذا تحليلاً خارجياً محايداً فحسب؛ إنه وصف لما قاله كبار المسؤولين الكُرد بصراحة في مناسبات متعددة. رئيس مجلس وزراء الإقليم مسرور بارزاني عبّر أكثر من مرة عن قناعة حكومته بأن أربيل تُستهدف لأنها "نموذج ناجح ومستقر"، لا لأنها تشكل خطراً أمنياً، مشيراً إلى أن من يقصف المدنيين يثبت بذلك أنه يفتقر إلى المسوّغ القانوني وإلى الشجاعة السياسية على حد سواء.
يُضاف إلى ذلك البُعد الاقتصادي: إقليم كردستان يسعى منذ سنوات إلى تصدير نفطه وغازه بصورة مستقلة، وهو ما يمنحه قوة تفاوضية حقيقية تجعله عصياً على الإخضاع المالي. فالكيان الذي يملك مصادر دخله الخاصة لا يمكن تطويعه بالحصار الاقتصادي، ولا إذلاله باشتراط الموازنات. ومن ثمّ فإن ضرب استقرار الإقليم ليس مجرد عقاب، بل هو استثمار: يُرسَل للمستثمرين الأجانب رسالة مفادها أن لا مكان آمن خارج المظلة، ويُرسَل للإقليم نفسه إشارة مستمرة بأن الاستقلالية لها ثمن.
بل إن نجاح إقليم كردستان في تقديم نموذج عمراني واستثماري وأمني يمثل في حد ذاته تحدياً لا يُحتمل. المقارنة ضمنية دائماً وقاسية: حين يرى المواطن في مناطق أخرى من العراق الفارق في مستوى الأمن والبنية التحتية، يصبح هذا النموذج "إحراجاً إدارياً وأخلاقياً" لمن يحكمون بمنطق الميليشيات والإتاوات. وربما هذا هو الخطر الأكبر الذي يمثله الإقليم: ليس أنه يضم "مقرات للموساد"، بل أنه يضم مستشفيات تعمل وجامعات تُدرّس ومطارات تستقبل رحلات دولية من عواصم العالم.
وفي هذا السياق تحديداً تتضح حقيقة وراء أكذوبة جواسيس الموساد في الإقليم: الأكذوبة ليست بلا هدف، بل هي هادفة بدقة لزعزعة نموذج الاستقرار وإرغام الإقليم على صرف طاقاته في الدفاع عن نفسه بدل بنائها.
فتفسير هذا بتنا نراه في دماء الأبرياء، ففي عام 2024، أطلقت إيران صواريخها على منزل في أربيل قُتل فيه رجل الأعمال بيشرو دزيي وعدد من أفراد عائلته من بينهم طفلته الرضيعة ژينا دزيي وصديق العائلة الشاب كرم ميخائيل سريدار، رجل الأعمال البريطاني-العراقي الأصل الذي كان في زيارة عائلة دزيي بالصدفة البحتة.
أعلنت الجهات الإيرانية أن الموقع كان "مقراً للموساد". لكن الصور الذي نشرها المسؤولون الكُرد، ووصفته منظمات حقوق الإنسان الدولية، كشف أن المبنى كان منزلاً مدنياً يضم في أغلب الأوقات أطفالاً ونساءً.
الطفلة التي ماتت في ذلك المنزل لم تكن "وجهاً موسادياً". كانت وجهاً عراقياً كردياً. وموتها ليس ضريبة للحرب على التجسس؛ بل هو الجريمة ذاتها. وإن كان ثمة تفنيد واحد لكل روايات وكالة "ميزان"، فهو هذا الوجه الصغير الذي لم يعد موجوداً.
فكيف يمكن انقاذ بقية الأوجه من جريمة أُخرى ربما تكون قريبة؟ تجاوز موقف حكومة إقليم كردستان من هذه الاتهامات حدود الدفاع الكلامي منذ سنوات. إنه يمزج بين ثلاثة مسارات متوازية: النفي التوثيقي، والمطالبة السيادية، والتحدي القانوني المفتوح.
النفي التوثيقي يتجلى في دعوة الإقليم المتكررة لسفراء أجانب ولجان أمنية من بغداد لزيارة المواقع المقصوفة. هذه الدعوة ليست حركة دبلوماسية فارغة؛ إنها تحدٍّ ملموس: ها هي المواقع، زوروها وقولوا لنا ما وجدتم. وما يجده الزوار دائماً هو المدنيون وأثار دمائهم، لا المعدات الاستخباراتية.
المطالبة السيادية أعمق: الإقليم يطالب الحكومة الاتحادية في بغداد بالتوقف عن الاكتفاء ببيانات الاستنكار، والانتقال إلى ممارسة مسؤوليتها الدستورية الكاملة في حماية سماء أراضيها من الاعتداء الخارجي. فسيادة العراق لا تتجزأ: ما يسقط على أربيل يسقط على أرض عراقية، وما يُنتهك هناك هو سيادة الدولة العراقية بكاملها، لا سيادة الإقليم وحده.
أما التحدي القانوني فهو الأحدّ: الإقليم يطالب إيران بأن تُقدّم للقضاء الدولي أو الاتحادي العراقي دليلاً واحداً ملموساً يثبت وجود هذه المقرات. ليس بياناً إعلامياً، ولا تسجيلاً منقولاً عن مصدر مجهول، بل دليلاً قابلاً للفحص والتقييم. وتجاهل هذا التحدي هو في حد ذاته إجابة كافية.
وفي خضم كل ذلك، يؤكد الإقليم في خطابه الدبلوماسي التزاماً لا يتردد فيه: لم يسمح ولن يسمح بأن تكون أراضيه منطلقاً لتهديد أمن أي دولة جارة، وهو ملتزم بالاتفاقات الأمنية المبرمة مع بغداد وطهران بما في ذلك إبعاد المعارضة الإيرانية المسلحة عن الشريط الحدودي. وهذا الالتزام، الذي نفّذه الإقليم على أرض الواقع، يجعل الاتهامات الإيرانية نكثاً للعهود لا مجرد خلاف سياسي. وهو بحد ذاته مرتبط بأخلاق فلسفية معقدة.
إقليم كردستان ليس مجرد وحدة جيوسياسية في خارطة العراق؛ إنه ذاكرة جمعية تحمل فيها جراح الأنفال ومآسي الكيمياوي وسنوات الحصار.
من المؤسف هو تفادي الحكومة الاتحادية في بغداد في مناسبات عديدة أن تقف موقفاً حازماً علنياً من هذه الاعتداءات المتكررة على أراضيها. وهو تفادٍ مفهوم في ضوء تعقيد العلاقة مع طهران، لكنه يبقى مكلفاً سياسياً وقانونياً. فالسيادة لا تُقرأ انتقائياً؛ إما أن تكون مصانة فوق كامل التراب، أو لا تكون.
حين يسقط صاروخ إيراني على عمارة في أربيل، لا يسقط على أرض كردية وحسب، بل يسقط على الدستور العراقي الذي ينص على وحدة السيادة وعلى واجب الدولة في حماية مواطنيها على كامل أراضيها. والبيانات المكتفية بـ"إدانة الاعتداء" و"المطالبة باحترام السيادة" تبقى دون مستوى الحدث ما لم تُترجَم إلى إجراءات دولية فعلية: رفع الملف إلى مجلس الأمن، وتقديم التوثيق، والمطالبة بتحقيق دولي مستقل في طبيعة المواقع المستهدفة.
سؤال يظل لافتاً في تتبع هذا الملف: لماذا لم تتحرك أي منظمة دولية مستقلة للتحقيق في صحة هذه الادعاءات؟ ولماذا لم تطالب الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تقصٍّ مستقلة؟ ولماذا لم تُفتح أي قضية في المحاكم الدولية استناداً إلى ما تدّعيه وكالة "ميزان" من "أدلة"؟
الإجابة بسيطة وقاطعة: لأن هذه الادعاءات لا تصمد أمام أي اختبار إجرائي جاد. المنظمات الدولية تعمل وفق معايير الإثبات، لا وفق منطق السرديات المتراكمة. وما يُروَّج في فضاء الإعلام التعبوي لا يتحمل الخروج إلى فضاء القانون الدولي.
وهذا الصمت الإجرائي الدولي، حتى من جهات قد تكون مشككة في أداء الإقليم لأسباب أخرى، هو شهادة ضمنية بأن "الحقيقة المفبركة" تنهار حين تواجه معيار الدليل.
في المقابل، أفرزت الاعتداءات المتكررة على أربيل تقارير موثَّقة من منظمات حقوقية دولية كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تصف المواقع المستهدفة بأنها مدنية وتُدين الاعتداءات بلا مواربة؛ وهو توثيق يذهب في الاتجاه المعاكس تماماً لما تروّج له وكالة "ميزان"، ويجعل الصمت الدولي على ادعاءاتها شهادةً ضمنية بأنها لا تصمد أمام أي اختبار إجرائي جاد. وتزداد هذه المفارقة إيلاماً حين نستحضر أن إقليم كردستان قدّم على مدار سنوات التزامات أمنية موثَّقة لصالح الاستقرار الإقليمي، في حين يرد الجانب الآخر على هذه الالتزامات بالقصف وبناء روايات التجسس؛ وهو تناقض لا يكشف عن خلاف أمني، بل عن أمر آخر يُطلب في الخفاء غير ما يُعلَن على الملأ.
وفي نهاية هذا التحليل، ليس ثمة خلاصة ناعمة أو مصالحة مريحة مع الوقائع. ما يجري في أربيل، وما تُروّجه وكالات من قبيل "ميزان"، وما تُسوّغه سرديات الموساد، هو عملية منظمة ومتكاملة لتبرير الاعتداء على مدنيين عراقيين بلغة مُستعارة من حرب لا يخوضونها.
الرد الحقيقي لن يكون في البيانات الدبلوماسية فحسب، ولا في التفنيد الإعلامي وحده. الرد الحقيقي يبدأ من مطالبة إيران بما لن تقدر عليه: دليل واحد ملموس، يتحمل الضوء، ويصمد أمام التدقيق المستقل. وهو مطلب بسيط جداً لمن يدّعي العدالة، ومستحيل تماماً على من يصنع الوهم.
ليس سؤالنا هنا: هل يوجد الموساد في أربيل؟ بل السؤال الأدق: من يستفيد من ترديد هذا الادعاء؟ ومن يتضرر من تفنيده؟ ومن يغيب في صخب هذه الرواية؟ حين تتم الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة، فعندها سنملك بيدينا الخيط الذي يقودنا إلى فهم طبيعة اللعبة بكاملها. المستفيد من الادعاء ليس الحقيقة؛ المستفيد هو من يحتاج إلى الادعاء لأغراض تقع خارج نطاق الأمن وداخل نطاق السياسة بمعناها الضيق.
أن الدور الذي يؤديه حضور دائرة العلاقات الخارجية في الإقليم حين تُصدر بيانها حول الادعاءات الإيرانية؛ ليس دفاعاً بيروقراطياً فحسب، بل هو استعادة للوجه: نحن هنا، ونُكذِّب، ونُثبت، وندعو للتحقيق. وهذه الاستعادة، في مواجهة آلة سردية ضخمة، هي فعل مقاومة أخلاقية قبل أن يكون دفاعاً سياسياً.
أربيل ليست "مقراً". أربيل مدينة يسكنها بشر يحلمون بما يحلم به بشر في كل مكان: العمل والأمان والغد المفتوح على إمكاناته. وكل صاروخ يسقط عليها بذريعة الموساد هو اعتداء على إنسانية شعبها أولاً، وانتهاك للسيادة العراقية ثانياً، وإهانة للعدالة ثالثاً، وتحدٍّ سافر للحقيقة في نهاية المطاف.
والحقيقة، رغم كل شيء، لا تموت بالصواريخ. قد تُجرح وتُشوَّه وتُطمر تحت ركام السرديات، لكنها تعود. ليس لأنها قوية دائماً، بل لأن الكذب، على طول الأمد، يأكل نفسه. حين لا يُقدَّم الدليل بعد عشر سنوات من الادعاء، يصبح غيابه هو الدليل الأقوى. وحين تتكشف الضحايا مرة بعد مرة بوصفهم أطفالاً ومدنيين لا عناصر جاسوسية، تسقط الرواية من تلقاء نفسها، لا لأن أحداً دحضها بالقوة، بل لأن الواقع أبلغ من أي خطاب.