الجهاديون يدعون الأزواد لتحالف بهدف السيطرة على باماكو

الخطاب الجديد لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا يكتفي بتأطير الصراع ضمن منطق القتال، بل يطرح أيضًا مفاهيم مرتبطة بإعادة ترتيب السلطة، عبر الحديث عن انتقال سياسي شامل.

باماكو – تطالب جماعات مسلحة في مالي بتوحيد الصفوف وإعلان جبهة موحدة في مواجهة المجلس العسكري ما يشير الى أن المقاتلين باتوا يتحركون عسكريا بشكل منظم ويضعون خططا لإمكانية تولي السلطة في المرحلة المقبلة في حال سقوط العاصمة ومواجهة فوضى متوقعة.
وتوحي المؤشرات الميدانية بأن الجماعات الجهادية العاملة في شمال ووسط مالي باتت تتجه نحو مقاربة جديدة، تقوم على تجاوز العمليات المتفرقة لصالح بناء اصطفافات أوسع قادرة على إحداث تأثير مباشر في ميزان القوى داخل الدولة.
وفي هذا السياق، برزت دعوة صريحة من "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، طالبت فيها بتشكيل إطار موحد يضم مختلف الفصائل المسلحة، بما في ذلك بعض الحركات الانفصالية الناشطة في الشمال، بهدف إنهاء حكم المجلس العسكري الذي تولى السلطة في مالي عام 2020.
ولا يكتفي هذا الخطاب الجديد بتأطير الصراع ضمن منطق القتال، بل يطرح أيضًا مفاهيم مرتبطة بإعادة ترتيب السلطة، عبر الحديث عن انتقال سياسي "شامل"، في محاولة لإضفاء طابع سياسي على تحركات ذات طبيعة عسكرية.
بالتوازي مع هذا الخطاب، شهدت عدة مناطق عمليات منسقة استهدفت مواقع عسكرية وأمنية، نُفذت في بعض الحالات عبر تنسيق بين جماعات جهادية وأطراف من "جبهة تحرير أزواد"، ما يعكس مستوى أعلى من التعاون بين مكونات كانت تعمل سابقًا بشكل متوازٍ.
ويثير هذا التقارب الميداني مخاوف من احتمال تشكل كتلة مسلحة أكثر تماسكًا، قادرة على فرض إيقاع جديد للصراع، وإعادة توزيع مناطق النفوذ داخل البلاد، خصوصًا في الشمال والوسط.
أحد أبرز التطورات يتمثل في التهديد بفرض حصار على العاصمة باماكو، عبر تعطيل الطرق الرئيسية التي تربطها بالمناطق الداخلية وبالدول المجاورة، بما في ذلك مسارات التجارة مع ساحل العاج والسنغال.
وهذا التوجه بدأ ينعكس فعليًا على الأرض، حيث أفادت تقارير محلية بتوقف شاحنات محملة بالسلع الأساسية على بعض المحاور، إضافة إلى اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع المخاطر الأمنية على الطرق البرية.
ولا ينظر للضغط على العاصمة كتحرك عسكري تقليدي فقط، بل كوسيلة لإرباك البنية الاقتصادية والإدارية للدولة، من خلال استهداف مركز القرار السياسي وقطع شرايين الإمداد الحيوية.
ويعيد هذا النمط من العمليات إلى الواجهة أساليب سبق أن استخدمتها الجماعات المسلحة، والتي ركزت على استنزاف الدولة عبر تعطيل الوقود والطرق التجارية بدل المواجهة المباشرة المستمرة.
وفي المقابل، تحاول السلطات في مالي، بدعم من شركاء إقليميين ضمن تحالف دول الساحل، احتواء التهديد عبر عمليات عسكرية، شملت ضربات جوية في مناطق شمالية، غير أن نتائج هذه الجهود ما زالت محدودة في ظل اتساع نطاق التهديدات.
ومثلت حادثة اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا داخل العاصمة تطورًا لافتًا، عكس قدرة الجماعات المسلحة على الوصول إلى أهداف حساسة، وأثار تساؤلات حول مستوى الاختراق الأمني داخل مؤسسات الدولة.
ورغم محاولات إظهار تماسك مؤسساتي عبر مراسم رسمية وإجراءات رمزية، فإن تكرار مثل هذه الاختراقات يعزز من حالة القلق السياسي ويضعف ثقة الشارع في قدرة السلطة على فرض الاستقرار.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الدعوات المطالبة بتغيير سياسي شامل، في وقت يواجه فيه المجلس العسكري تحديات تتعلق بغياب توافق وطني واسع، واستمرار الانقسامات بين مكونات المجتمع.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن مالي تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، مع صعوبة توقع مسار واضح لإنهاء الأزمة في المدى القريب، في ظل استمرار تمدد الفاعلين المسلحين وتراجع قدرة الدولة على ضبط كامل أراضيها.