واقع العمال في لبنان، صراع البقاء بين الأرقام الصعبة والوعود الغائبة
يأتي الأول من مايو/ايار في لبنان هذا العام والواقع المعيشي قد تجاوز كل التوقعات السلبية، حيث يعيش العامل اللبناني أصعب أزمة في تاريخه الحديث. الحقيقة اليومية التي نلمسها هي أن الراتب، مهما بلغت زياداته، فقد قيمته الفعلية أمام الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة الأساسية، فبينما تصدر القوى السياسية بيانات التهنئة والإشادة بصمود "الشغيلة"، يواجه هؤلاء واقعاً لا تكفي فيه الرواتب لتأمين أبسط المتطلبات من غذاء ودواء وكهرباء.
في لغة الأرقام، لم يعد الحد الأدنى للأجور الذي يُناقش في لجان المؤشر يغطي حتى كلفة التنقل أو فاتورة المولد، ناهيك عن تأمين الوجبات الأساسية لعائلة متوسطة. الموظف في القطاع العام، وخصوصاً الأستاذ في التعليم الرسمي، أصبح يتقاضى مبلغاً لا يوازي حجم الجهد المبذول ولا يكفي لتغطية تكاليف الوصول إلى مركز عمله. هذا الوضع أدى إلى إفراغ المؤسسات من كفاءاتها، فإما الهجرة إلى الخارج أو البحث عن أعمال حرة غير منظمة لتأمين دخل بالعملة الصعبة يقي من الجوع.
أما في القطاع الخاص، فرغم وجود بعض الزيادات، إلا أن التضخم الهائل يلتهمها فوراً. الأسعار في الأسواق مسعرة بالدولار بينما لا تزال نسبة كبيرة من الرواتب تُدفع بالليرة، مما حوّل اللبنانيين إلى "فقراء عاملون"؛ أي أنهم يملكون وظائف لكنهم يعجزون عن تأمين حياة كريمة. يضاف إلى ذلك الانهيار شبه الكامل لمنظومة الضمان الاجتماعي؛ فالاستشفاء صار عبئاً مالياً ضخماً يدفعه العامل من جيبه الخاص، وتعويضات نهاية الخدمة التي جُمعت عبر عقود من الكدح فقدت قيمتها، مما جعل سن التقاعد يمثل تهديداً بالفقر المدقع بدلاً من أن يكون وقت للراحة.
على الصعيد السياسي، تكرر السلطة الخطاب نفسه كل عام؛ إشادة بالتضحيات، وربط للأزمة بالظروف الخارجية، دون تقديم حلول عملية على الأرض. الوعود بتصحيح الأجور بشكل عادل أو تفعيل خطط النقل المشترك بقيت مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي، مما عمق فجوة الثقة بين المواطن والدولة. العامل اليوم يشعر بأنه وحيد في مواجهة أزمة لم يتسبب بها، ويضطر للعمل في وظيفتين أو ثلاث فقط ليبقى على قيد الحياة.
هذا التناقض بين لغة التقدير الرسمية وبين واقع الانهيار الاقتصادي يعكس أزمة أعمق، فالعمل في لبنان لم يعد ضمانة للاستقرار بل تحول إلى محاولة يومية لتأجيل السقوط. المشكلة اليوم ليست في قلة فرص العمل فحسب، بل في بيئة عمل لا توفر الحد الأدنى من الأمان الصحي أو الاجتماعي. وما يحتاجه العامل اللبناني ليس قصائد مديح في يوم واحد من السنة، بل إجراءات ملموسة تبدأ بتثبيت سعر الصرف وتفعيل صناديق الضمان الاجتماعي بشكل حقيقي، ليعود للعمل معناه كحق يصون كرامة الإنسان لا كعبء يهدد بقاءه.