أميركا ليست العراق
ليس هناك من خلاف بشأن التباين الكبير بين قدرات العراق المختلفة أيام حكم نظام حزب البعث وبين نظائرها لدى الولايات المتحدة، إذ إن الفرق كبير جدا بين الاثنين، وإن بناء العقيدة العسكرية التي واجهت بها إيران الخمينية العراق في حرب الأعوام الثمانية على مثيل لها في مواجهة واشنطن هو أمر فيه الكثير من المغالطة، وحتى المغامرة، ولاسيما أن الأهداف العراقية وقتئذ تختلف تماما عن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية حاليا.
في حرب الأعوام الثمانية التي رحب بها الخميني وأطلق عبارته المشهورة "الخير فيما وقع"، لأنها حدثت والنظام الجديد كان في بداياته، وكان هناك نوع من الفوضى والبعثرة في الأوضاع السائدة، فجاءت هذه الحرب لتوحد الصفوف وتجعل المواقف والأنظار كلها باتجاه واحد، كما أن النظام الجديد في إيران لم يكن يشكل خطرا وتهديدا على السلام والأمن.
هذا إلى جانب ملاحظة مهمة أخرى يجب أخذها بنظر الاعتبار، وهي أن الإيرانيين معروفون بالصبر والمطاولة، ومن هنا فإنهم واجهوا الاندفاع العراقي السريع في اجتياح الأراضي الإيرانية بصبر وتأن أجبر العراق على سحب قطعاته العسكرية إلى داخل الأراضي العراقية، لكن رغم ذلك أصر الخميني على مواصلة الحرب وإسقاط نظام الحكم في العراق، ورفض كل أنواع الوساطات على أساس موقف صارم حدده الخميني من الحرب، من أنه "لا معنى للسلام بين الإسلام والكفر"!
اليوم، ومع دخول الحرب شهرها الثاني، وحالة الضبابية والغموض التي تهيمن على أجوائها، ومع إحياء استراتيجية "مفاتيح الجنة": طهران تلجأ لتجنيد القاصرين لمواجهة نقص الكوادر العسكرية، بعد أن أفادت تقارير إعلامية دولية، نقلا عن وكالة الأنباء الإيرانية (ANA) وموقع 'إيران واير' المتخصص، بأن الحرس الثوري الإيراني أطلق حملة رسمية لتجنيد "مقاتلين متطوعين" من المواطنين الذين تبلغ أعمارهم 12 عاما فما فوق، فإن الذي يبدو وإلى حد ملفت للنظر، أن إيران مجتبى خامنئي تريد أن تستنسخ حرب إيران الخميني مع العراق على الحرب الحالية!
من دون شك، ومع دخول الحرب شهرها الثاني، فإن معظم الآراء والتحليلات الواردة بشأنها لا تشوبها حالة من التفاؤل بقرب نهايتها ولاسيما مع تعنت واضح للنظام الإيراني بهذا الصدد، لكن المشكلة أن إيران المجتبى ليست كإيران الخميني، حيث إن الفرق بينهما هائل لأسباب مختلفة وحتى يمكن وصف الفرق كالذي بين الثرى والثريا، ولاسيما أن النظام وقتئذ كان في بداية عنفوانه وتألقه وكان الشعب يقف إلى جانبه، أما الآن فإنه قد دخل مرحلة يمكن تشبيهها بالكهولة.
هذا بالإضافة إلى أن حجم الدمار الحاصل الآن في إيران هائل جدا، ولا يمكن مقارنته بالذي حدث إبان 8 أعوام من الحرب مع العراق، هذا إذا وضعنا جانبا اصطياد قادة النظام من الصف الأول بصورة أذهلت العالم كله.
العودة إلى استراتيجية "مفاتيح الجنة" ليست دلالة على قوة واقتدار النظام الإيراني، بل إنها تؤكد عدم امتلاكه لاستراتيجية عسكرية حديثة ومعاصرة يجابه من خلالها هذه الحرب المدمرة التي هي أقوى وأكثر دمارا من حرب الأعوام الثمانية.
والأهم من كل ما سردنا ذكره أن إيران الخميني لم تتجاوز كل الحدود كما تجاوزت إيران مجتبى ووالده، ولذلك فإنه ليس هناك من مؤشرات يمكن أن تبعث على التفاؤل بنهاية مفيدة لإيران، علما بأن حرب الأعوام الثمانية أساسا لم تنته بهزيمة العراق.