إيران بين "كأس السم" الجديد وصفقة بكين

"فقه الضرورة" الذي استُخدم سابقاً لتبرير صفقات سرّية أو تعاون مع واشنطن في لحظات حرجة، يُستحضر الآن لتمرير تنازلات كبرى.

​يقف النظام الإيراني اليوم أمام لحظة الحقيقة، وهي لحظة تشبه إلى حد كبير تلك التي واجهها مؤسس النظام الخميني عام 1988 حين اضطر لإنهاء الحرب مع العراق ووصف الأمر آنذاك بتجرع كأس السم. واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بظروف أعقد وأدوات دولية مختلفة، حيث يلوح في الأفق طوق نجاة صيني مغلف بشروط أميركية قاسية، يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ. فالمعطيات الحالية تشير إلى أن مؤسسة الحكم في إيران، تدرك تماماً أن البقاء في السلطة لم يعد ممكناً بالشعارات القديمة. "فقه الضرورة" الذي استُخدم سابقاً لتبرير صفقات سرّية أو تعاون مع واشنطن في لحظات حرجة، يُستحضر الآن لتمرير تنازلات كبرى. هذه التنازلات تعني ببساطة تحويل إيران إلى دولة منزوعة المخالب، وبمعنى أدق بلا طموح نووي، وبلا صواريخ باليستية، والأهم من ذلك، بلا أذرع وميليشيات في المنطقة. ومقابل هذا الثمن الباهظ، سيحصل النظام على ضمانة واحدة وهي البقاء في الحكم وعدم استهداف رؤوسه، مع تحويلهم تدريجياً إلى "تقاعد إجباري" خلف الستار.

إنّ ​توقيت هذه التحركات ليس عشوائياً، فالتسريبات التي تتحدث عن نهاية الحرب في مارس/آذار أو أبريل/نيسان تتوافق مع القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني في بكين (نهاية مارس/أذار 2026). فالصين التي تستثمر المليارات في إيران وتعتمد عليها كمصدر للطاقة، لا تريد رؤية انهيار شامل للدولة الإيرانية، لذا فهي تلعب دور الضامن لصفقة استسلام مشرّفة. أمّا ترامب بدوره يريد نصراً تاريخياً ينهي الصراع، ومصلحة الطرفين (واشنطن وبكين) تلتقي عند تحويل إيران من دولة ثورة إلى دولة وظيفة، بمعنى آخر وكيل إقليمي منضبط تحت الوصاية الدولية، ويضمن تدفق النفط مقابل استمراره في السلطة.

​غير أنّ الضغط لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد ليكون خنقاً اقتصادياً وشخصياً. فترامب وضع البنية التحتية النفطية الإيرانية (خاصة جزيرة خرج) كرهينة، وأي تهوّر من قبل الحرس الثوري في مضيق هرمز سيعني انهياراً معيشياً واجتماعياً يودي بالدولة كلها وليس فقط بالنظام. وفي نفس الوقت، جاء وضع أسماء القيادات الكبرى (بمن فيهم مجتبى خامنئي) على قوائم المكافآت من أجل العدالة كأداة ضغط أخيرة. واشنطن هنا لا تريد اعتقالهم فعلياً بقدر ما تريد نزع شرعيتهم وتحويلهم إلى أوراق تفاوض، فإما الإزاحة من المشهد مقابل العفو، أو تبييض صورة بعضهم إذا نجحوا في هندسة انتقال سلمي للسلطة لجهة مقبولة دولياً كالجيش مثلاً.

و​باختصار، تبدو إيران اليوم عند مفترق طرق لم تشهده منذ عام 1979. مساحة المناورة ضاقت لدرجة الانعدام، وقمة بكين القادمة قد تكون المنصة التي تعلن رسمياً نهاية عصر الملالي الثوري وبداية عصر الوكيل المنضبط. والنظام الآن أمام خيارين، فإمّا تفعيل فقه الضرورة وشرب كأس السمّ للمرة الثانية للحفاظ على الكرسي، أو اختيار الصدام والانتحار الذي سيمحو ولاية الفقيه من الجذور تحت أنقاض الحرب.