البوريم والحرب الكبرى.. هل يعيد نتنياهو إنتاج صراع عمره 2500 عام؟
في خضمّ التصعيد غير المسبوق بين إسرائيل وإيران، ومع الانخراط الأميركي المتزايد عسكرياً في المنطقة، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً خطاباً موجّهاً ليس فقط للرأي العام الإسرائيلي، بل أيضاً مباشرة إلى الشعب الإيراني داعيا إياه إلى "اغتنام الفرصة" والخروج إلى الشارع بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، لإسقاط النظام.
غير أن ما لفت الانتباه لم يكن فقط البعد السياسي للدعوة، بل استدعاؤه لرمزية "عيد البوريم" (المعروف أيضاً بعيد المساخر)، وهو العيد الذي يخلّد – وفق الرواية التوراتية – نجاة اليهود في بلاد فارس قبل نحو 2500 عام. وتعود القصة إلى ما ورد في "سفر أستير"، حيث يُروى أن الوزير هامان خطّط لإبادة اليهود في عهد الملك الفارسي أحشويروش، قبل أن تتمكن الملكة أستير، بتوجيه من مردخاي، من إحباط المؤامرة.
ويأتي هذا الاستدعاء في توقيت لافت؛ إذ إن اليهود يحتفلون بعيد البوريم خلال هذه الأيام، فيما ألقى نتنياهو خطابه قبل أيام قليلة فقط من هذه المناسبة، ما يمنح خطابه بُعداً تعبوياً إضافياً، ويربط بين الذاكرة الدينية والواقع السياسي الراهن بشكل مباشر.
توظيف الذاكرة الدينية
إدراج نتنياهو لهذه الواقعة في سياق حرب حديثة يتجاوز – في نظر كثير من المراقبين – البعد الرمزي البسيط؛ فهو يؤطر الصراع مع إيران باعتباره امتداداً تاريخياً لصراع قديم بين اليهود و"الفرس"، مما يمنحه بُعداً دينياً وعقائدياً، لا مجرد خلاف جيوسياسي حول البرنامج النووي أو ميزان الردع العسكري.
بهذا التوظيف، يسعى نتنياهو إلى تعبئة الداخل الإسرائيلي، خصوصاً التيار القومي والديني، عبر تصوير المواجهة كحرب وجودية تعيد إنتاج سردية "الخلاص من الإبادة". وهو خطاب يعيد إحياء مفاهيم مثل "أرض الميعاد" ومملكة إسرائيل القديمة، التي يعتمد عليها التيار الصهيوني في شرعنة مشروعه السياسي، رغم الجدل التاريخي الواسع حولها.
من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة
الصراع بين إسرائيل وإيران ظلّ لعقود يُدار عبر حروب بالوكالة، من خلال ما يُعرف بـ"محور المقاومة" وشبكات الفصائل الإقليمية. غير أن المواجهة الأخيرة تمثل تحولاً نوعياً، إذ خرج الصراع إلى العلن في مواجهة مباشرة: عسكرية وسياسية وإعلامية.
كما أن القصف الإيراني الذي طال عدداً من الدول العربية أدخل أطرافاً جديدة في دائرة النار، وجعل هذه الدول تجد نفسها في موقع ثانوي داخل صراع أكبر منها، بينما يعزز الحشد العسكري الأميريي غير المسبوق – بحراً وجواً وبراً – الانطباع بأن المنطقة أمام إعادة تشكيل استراتيجية واسعة، قد لا تقتصر تداعياتها على إيران وحدها.
صراع وجودي أم إعادة هندسة للمنطقة؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل نحن أمام حرب ذات بُعد ديني – تاريخي يُعاد إحياؤه سياسياً، أم أمام إعادة هندسة شاملة لموازين القوى في الشرق الأوسط؟