التحديث السياسي كضرورة وطنية.. مأزق المشروع الوطني في الحدث السوري

أي مشروع جاد لبناء الدولة السورية المستقبلية يجب أن يُبنى على ركيزة المواطنة المتساوية وسيادة القانون المطلقة والحياد الإيجابي لمؤسسات الدولة تجاه المكونات المجتمعية.

لا يمثل التحديث السياسي في السياق السوري الراهن مجرد خيار من بين بدائل متاحة، بل هو استحقاق تُمليه ضرورة الانتقال إلى منطق بناء الدولة الوطنية، خاصةً أن الحدث السوري وطبيعة عناوينه الإشكالية تفترض تحييد الأنماط التقليدية للحكم أو الرؤى السياسية، إضافة إلى ذلك فإن الحدث السوري وفق الواقع الحالي كشف عن هوة عميقة بين بنية السلطة القائمة وبين تطلعات المشروع الوطني العابر للاصطفافات؛ من هنا يبرز التحديث السياسي كضرورة وطنية في بنية العقل السياسي السوري، والتي تهدف إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة كضامن للسيادة، وللمواطنة كركيزة للشرعية، وبالتالي فإن هذه المقاربة تنطلق من الحاجة الموضوعية لترميم التصدعات في النسيج الوطني، وصياغة عقد اجتماعي جديد يحرر المشروع الوطني من مأزق الارتهان، ليضعه في سياق الاستدامة المؤسساتية.

إتساقاً مع ما سبق فإن القراءة المتأنية للمشهد السوري الراهن تقتضي تجاوز المقاربات السطحية التي تؤطر الأزمة السورية بعناوينها الحالية، لتغوص في عمق البنية التأسيسية للدولة السورية التي باتت في أمسّ الحاجة إلى عملية تحديث سياسي شاملة لا تقبل التأجيل، وبهذا فإن الضرورة الوطنية لإعادة تقويم المسار تنبع من إدراك حقيقة أن الاستمرار في ذات النهج السياسي التقليدي لم يعد قادراً على احتواء التناقضات المجتمعية أو الاستجابة لمتطلبات المرحلة الوطنية المعقدة، فـ حالة الانسداد السياسي تجد جذورها في غياب المشروع الوطني الجامع، وهو الغياب الذي حوّل الحدث السوري من حراك نحو التغيير الشامل إلى حالة من التيه السياسي، حيث تلاشت العناوين الكبرى أمام صخب التفاصيل اليومية التي أرهقت السوريين، مما جعل القضية السورية تفتقر إلى بوصلة محلية وطنية قادرة على فرض إرادتها.

في هذا السياق، يظهر بوضوح ذلك الشرخ العميق بين الخطاب الحكومي الرسمي وبين جوهر البعد السياسي للأزمة؛ فبينما يميل الخطاب الرسمي إلى التمسك بأدوات إدارية وسياسية كلاسيكية في التعاطي مع إشكالات الحدث السوري، يفرض الواقع استحقاقات وطنية تتجاوز منطق تسيير الأعمال إلى منطق صناعة السياسة، وهذا التباين يلقي بظلال قاتمة على الشأن العام، حيث يفقد المواطن الثقة في قدرة المؤسسات القائمة على إحداث خرق حقيقي في أي مسار، ويتحول العمل السياسي ضمن ما سبق إلى طقوس شكلية تفتقر إلى روح التشاركية الفعالة، وعليه فإن تعزيز التشاركية السياسية بمعناها الواسع هي صمام أمان لاستقرار الدولة، إذ لا يمكن بناء شرعية مستدامة دون فتح المجال العام أمام القوى الحيّة في المجتمع للمساهمة في صنع القرار وتحمل المسؤولية الوطنية، وهو ما يستدعي الانتقال إلى رحابة التعددية التي تؤمن بأن القوة تكمن في التنوع لا في النموذج الواحد.

بهذا المعنى فإن نظرية التحديث السياسي في تجلياتها السورية، تفرض نفسها اليوم كمدخل إلزامي لإعادة تصويب الملف السوري برمته، فهي تعني في جوهرها الانتقال من بنية السلطة القائمة على الولاءات الشخصية إلى بنية الدولة القائمة على المؤسساتية والشرعية القانونية، وهنا يبرز الرهان الحقيقي؛ فإعادة بناء دولة حقيقية لا يبدأ بمجرد تبديل الوجوه أو إعادة تدوير النخب في مناصب السلطة، بل يبدأ بقطيعة معرفية وسياسية مع المنطق الذي تُدار به هذه السلطة، فالإشكال الجوهري ليس في من يحكم، بل في كيف يحكم، وفي المرجعية التي يستمد منها الحكم قوته، في المقابل فإنه إذا استمر منطق الإدارة السياسية كأداة للهيمنة بدلاً من كونه وسيلة لتمثيل مصالح المجتمع وتدبير الخلافات سلمياً، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الأزمات المتلاحقة التي تستنزف مقدرات البلاد.

بناءً على ذلك، فإن أي مشروع جاد لبناء الدولة السورية المستقبلية يجب أن يُبنى على ركيزة المواطنة المتساوية وسيادة القانون المطلقة والحياد الإيجابي لمؤسسات الدولة تجاه المكونات المجتمعية، وإلا فإننا لن نكون أمام ولادة جديدة لسوريا، بل أمام عملية إعادة تدوير لذات النموذج الشمولي الذي قاد البلاد إلى حافة الانهيار، كما أن تكرار ذات الآليات في إدارة الشأن السياسي مع انتظار نتائج مختلفة هو وهم تاريخي مكلف، فالدولة التي تُبنى على أساس إقصائي أو على منطق الغلبة تظل دولة هشة مهما امتلكت من أدوات السيطرة والتحكم في مفاصل القرار.

لذا، فإن التحديث السياسي المنشود يكمن في صياغة عقد اجتماعي جديد يمنح السوريين الإيمان بأن الدولة هي بيت الجميع، وأن التغيير الحقيقي يمر عبر بوابة المؤسسات الراسخة التي تحمي الفرد من تغول السلطة وتضمن للمجتمع مساراً آمناً نحو الاستقرار والنمو، بعيداً عن صدمات التحول العنيف أو الجمود القاتل الذي يمهد للانفجارات القادمة، نتيجة لذلك يظل التحديث السياسي هو الممر الإجباري لتجاوز حالة الاستعصاء التي وسمت المشهد السوري لسنوات، وبهذا فإن جوهر الحل يكمن في إطلاق مشروع وطني جامع يستمد شرعيته من قدرته على احتواء التعددية السورية داخل إطار مؤسساتي صلب، يحمي الدولة من التفتت ويحمي المجتمع من التهميش.

صفوة ما سبق. إن استعادة زمام المبادرة الوطنية وترسيخ نظرية التحديث السياسي تتوقف بالدرجة الأولى على مدى الجرأة في مراجعة أسس الحكم، والانتقال من الشرعية المستندة إلى الغلبة إلى الشرعية المستندة على الإنجاز والتشارك، خاصةً أن سورية اليوم بمخاضها العسير، تقف أمام لحظة الحقيقة؛ فإما التحديث السياسي الذي يعيد بناء الإنسان والدولة معاً، أو البقاء في دوامة المأزق الوطني التي تستنزف مقومات المستقبل.