"حرب التسويات القسرية" فيتو بورصات المال وميدان الصراع الإقليمي
يدخل الصراع المحتدم اليوم في الدائرة الجيوسياسية الإقليمية مرحلة يمكن وصفها بالمنعطف التاريخي الحاسم، حيث لم تعد المواجهة مجرد مناوشات على الأطراف، بل تحولت إلى عملية كبرى تجري في قلب النظام الإقليمي المتوتر، وبهذا فإن المسار العسكري الذي تنتهجه الولايات المتحدة وإسرائيل يواجه معضلة عميقة، فالرغبة في توجيه ضربات قاصمة تعيد صياغة طبيعة النظام الإيراني وموازين القوى عموماً تصطدم بحقيقة أن الجغرافيا الإيرانية ليست مجرد أهداف مرصودة، بل هي فضاء شاسع ومعقد صُمم دفاعياً لامتصاص الصدمات الأولى وتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وهنا يبرز التحدي الاستراتيجي الأكبر، كيف يمكن للقوة التكنولوجية المتفوقة أن تحقق أهدافاً سياسية نهائية دون أن تغرق في وحل صراع لا ينتهي؟، فالتاريخ القريب يخبرنا أن الغلبة العسكرية في الجو لا تعني بالضرورة الحسم على الأرض، خاصة عندما يمتلك الخصم عقيدة قتالية تعتمد على توزيع الألم ونقل المعركة إلى ساحات غير متوقعة.
اتساقا مع ما سبق، تقف المنطقة اليوم على حافة تحول استراتيجي في طبيعة الصراع مع إيران، حيث انتقلت المواجهة إلى مرحلة الصدام المباشر والذي يذهب إلى معادلة لا تحتمل أنصاف الحلول، في المقابل فإن قراءة المشهد الراهن يتطلب الغوص في عمق المعادلة الصفرية التي تحاول الأطراف صياغتها؛ فإسرائيل مدعومة بغطاء أميركي استراتيجي، لا تبحث عن مجرد جولة ردع تقليدية، بل تسعى لتقويض ركائز القوة الإيرانية المُتمثلة في البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والأذرع الإقليمية في آن واحد، بيد أن المعضلة العسكرية الكبرى تكمن في فخ الاستنزاف، فالتفوق الجوي التكنولوجي لثنائي واشنطن - تل أبيب يصطدم بحقيقة الجغرافيا الإيرانية الشاسعة والمنشآت المحصنة، مما يجعل خيار الضربة القاضية بعيد المنال، ويفتح الباب أمام سيناريو الحرب المفتوحة التي يخشاها العقل الاستراتيجي الغربي في المستويين السياسي والاقتصادي لما لها من كلف بشرية وسياسية واقتصادية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.
في المقابل، تدير طهران أزمتها بعقلية الصبر الاستراتيجي، فالرد الإيراني لم يعد محصوراً في المسارح الجانبية، بل انتقل ليهدد شرايين الحياة الاقتصادية العالمية، نتيجة لذلك فإن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية في الإقليم يمثل السلاح النووي الاقتصادي "إن أمكن التعبير" الذي تمتلكه إيران دون أن تفجره فعلياً؛ هذا المسار يضع العالم أمام معضلة أخلاقية وسياسية، فكلما زاد الضغط العسكري على الداخل الإيراني، زادت احتمالية لجوء طهران لخيارات شمشون التي تهدف إلى حرق الساحة بأكملها، وهو ما يجعل من الرد الإيراني أداة لرسم حدود الاشتباك الدولي وفرض التهدئة عبر الترهيب الاقتصادي.
هذا "التوزيع للألم" يتبدى بوضوح في طبيعة الرد الإيراني والذي يتجاوز في جوهره الرد العسكري التقليدي إلى كونه محاولة لتعطيل وظائف الإقليم، وبالتالي فإن المُرتكز الإستراتيجي الذي توظفه إيران هو استراتيجية معقدة لربط مصير الاستقرار الداخلي الإيراني باستقرار المنظومة العالمية برمتها.
إيران تدرك أن قوتها لا تكمن في مضاهاة القوة النارية الغربية، بل في قدرتها على جعل كلفة الحرب غير قابلة للاحتفال بها، فاستهداف القواعد العسكرية أو منشآت الطاقة في المنطقة يعني تحويل الصراع من مواجهة ثنائية إلى أزمة وجودية للمجتمع الدولي، مما يضع واشنطن وتل أبيب أمام ضغوط حلفاء قلقين يخشون أن يكون ثمن تحجيم إيران هو انهيار رفاههم الاقتصادي وتدفقات الطاقة التي تشكل شريان حياتهم.
بهذا يبدو واضحاً أن الصدام الحالي بجُملة معانية لا يدور في فراغ، بل تتحكم فيه كوابح دولية صارمة، فالقوى الكبرى وتحديداً الصين وروسيا، وحتى الحلفاء الأوروبيين لواشنطن، ينظرون بقلق عميق لاهتزاز استقرار سوق الطاقة وبورصات المال، حيث أن أي قفزة غير منضبطة في أسعار النفط نتيجة اضطراب الإمدادات من الخليج تعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق الركود التضخمي، وهو ثمن سياسي باهظ لا ترغب الإدارة الأمريكية في دفعه. هذا الضغط الاقتصادي العالمي يعمل كـ صمام أمان قسري، يدفع القوى الكبرى لممارسة ضغوط هائلة خلف الكواليس لفرض تسويات قد لا ترضي الطموحات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، لكنها تضمن بقاء النظام العالمي بعيداً عن الانهيار الشامل.
في هذا السياق، فإن المواقف الدولية لا يمكن تأطيرها بمساعي السلام، بل كقوى مدفوعة بمصالح البقاء، فالقوى الكبرى تراقب الصراع بمنظار الواقعية القاسية، والتحرك في هذا الإطار يأتي وفق قاعدة اللاغالب واللامغلوب، فالعالم لا يريد إيران نووية أو مهيمنة، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تحمل كلفة سقوطها الفوضوي الذي قد يولد فراغاً استراتيجياً يبتلع المنطقة بأكملها. لذا، فإن الضغوط الدولية لفرض التهدئة هي في الحقيقة صرخة استغاثة اقتصادية قبل أن تكون مبادرة دبلوماسية.
إن أسواق الطاقة وبورصات المال هما المايسترو الخفي الذي يضبط إيقاع هذه الحرب ويحدد لحظة صمت المدافع وإعلان نهاية الصراع، فالعالم الذي يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية لا يملك رفاهية مراقبة سعر برميل النفط وهو يقفز إلى مستويات قياسية.
هذا الانكشاف الاقتصادي العالمي هو ما سيجبر الأطراف في نهاية المطاف على البحث عن مخرج مشرف. بهذا المعنى فإن التسوية القادمة لن تكون وليدة رغبة في السلام، بل ستكون نتيجة وصول الجميع إلى نقطة الإنهاك المتبادل، والمسار السياسي النهائي في هذا الإطار لن يرسمه المنتصر في الميدان، بل سيمليه الطرف الذي استطاع أن يبقي أنفاسه أطول بقليل في معركة عض الأصابع هذه.
إنها حرب النهايات المفتوحة التي تُغلق بقرار قسري من بورصات المال ومراكز القرار الدولي التي تخشى الغرق في ليل طويل من الكساد العالمي، وبشكل جليّ فإن النهاية المحتملة لن تكون نصراً عسكرياً ساحقاً لأي طرف، بل ستكون تسوية اضطرارية تفرضها حقائق الجغرافيا وضرورات الاقتصاد، وستتوقف المدافع عندما يدرك الجميع أن كلفة الاستمرار في كسر العظم قد أصبحت أغلى من ثمن التنازل والجلوس على طاولة المفاوضات. إنها مرحلة عض الأصابع الأخيرة، حيث يراقب العالم من سيصرخ أولاً تحت وطأة النزيف الاقتصادي أو الفشل في تحقيق أهداف عسكرية حاسمة في زمن قياسي.