الحرب الإيرانية.. ورقة طلاق بين أميركا وحلفائها الاوروبيين

منذ بداية عهد ترامب الثانية، تزايدت القناعة لدى القوى الأوروبية بأن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأميركية بات مخاطرة غير مأمونة.

الحرب على إيران أحد أسباب تفجر الخلافات بين ضفتي الأطلسي (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، التي كانت توصف بأنها مثل جبل الثلج قمته فقط تظهر على السطح، لكن ما نتابعه اليوم يؤكد أن هذا الجبل انكشف بالكامل وخرج عن السيطرة، وكأن الطرفين اكتفيا من محاولات الترقيع السابقة للعلاقة التي تم نسجها بعد الحرب العالمية الثانية.. الأخطر أن أحدًا لم يعد يهتم أو حتى يرغب في لملمة ما تبقى من تعاون أو تفاهم.

منذ دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توجس الأوروبيون شرًا، وكانت رؤيته لمستقبل جزيرة غرينلاند الدنماركية وتهديده باحتلالها أو شرائها بداية أحجار الدومينو التي تتابع سقوطها فيما بعد، مرورًا بملف التعريفات الجمركية وفرض واشنطن ضرائب باهظة على الصادرات الأوروبية (مثل السيارات والصلب) تحت شعار "حماية الوظائف الأميركية"، الذي أدى إلى ردود فعل أوروبية انتقامية، مما حول الحلفاء السياسيين إلى خصوم تجاريين. ثم طلب ترامب زيادة 5 في المئة من الناتج القومي لكل دول الاتحاد لصالح الناتو، ولم يقف ضغط واشنطن على أوروبا عند هذا الحد، بل طلب ترامب من دول الاتحاد قطع علاقاتها التكنولوجية والتجارية مع الصين تمامًا، مما خلق هوة واسعة في المواقف الجيوسياسية، نظرًا لأن الجانب الأوروبي يرى أن انفصالهم عن الصين لن يتحملوه اقتصاديًا.

ثم جاءت الضربة الكبرى في تراجع الدعم الأميركي المالي والعسكري لأوكرانيا في بداية عام 2025، الذي أدى إلى تحمل العبء بالكامل على ميزانيات الدول الأوروبية.. هذا التحول جعل الأوروبيين يشعرون بأن أميركا تستخدم الصراعات لخدمة أجندتها الداخلية ثم تنسحب وتترك أوروبا تواجه التبعات الأمنية والاقتصادية وحدها، وهو ما جعلها تدرك أن العلاقة مع الولايات المتحدة، على الأقل في ظل وجود ترامب، لم تعد محتملة.

على كل حال، الانتقام الأوروبي لم يتأخر، ووجدوا في الحرب التي شنها ترامب على إيران فرصة جيدة لتركه وحيدًا هناك يتورط في هذا المستنقع، وتوالت مواقفهم ليس فقط المعارضة للحرب، لكن أيضًا تحمل تحديًا وتمردًا مباشرًا على الإدارة الأميركية وترامب شخصيًا.

وفي مواجهة الضغوط الأميركية للمشاركة في حرب إيران، قامت إسبانيا رسميًا بتقييد استخدام الولايات المتحدة لقاعدة "روتا" و"مورون" العسكريتين، مؤكدة أنها لن تسمح بانطلاق هجمات ضد إيران من أراضيها. وتضامن معها ألمانيا وفرنسا، معتبرين أن أي تهديد تجاري أميركي لمدريد هو تهديد للاتحاد الأوروبي ككل، فيما أعلنت إيطاليا غلق مجالها الجوي أمام الطيران الحربي الأميركي لمهاجمة إيران، مما أفشل خطة ترامب في "الاستفراد" بالدول كل على حدة.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن أزمة تأمين مضيق هرمز الناجمة عن الحرب على إيران تمثل في حد ذاتها أحدث انتكاسة للعلاقات، ليس فقط بين ضفتي الأطلسي، لكن تحديدًا مع بريطانيا التي رفضت المشاركة في عمليات التأمين تحت مظلة أميركية، وهي التي كانت دائمًا الحليف الداعم للولايات المتحدة في كل حروبها السابقة، خاصة في الشرق الأوسط..

الرد الأوروبي لم يقف عند الانتقام فقط، فالخلاف المتصاعد مع الولايات المتحدة حول المصالح الاقتصادية المتضاربة، ورؤية إدارة المخاطر الإقليمية، جعل الاتحاد الأوروبي يبحث عن "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي بعيدًا عن "الهيمنة الأميركية".

ومنذ بداية عهد ترامب الثانية، تزايدت القناعة لدى القوى الأوروبية (خاصة فرنسا وألمانيا وإيطاليا) بأن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأميركية بات مخاطرة غير مأمونة، وولد شعورًا بالخوف من تخلي واشنطن عن "المادة الخامسة" في ميثاق الدفاع المشترك.

ومنذ عام 2025، لجأ الاتحاد الأوروبي إلى تطبيق عدد من الإجراءات السيادية غير المسبوقة لتقليل اعتماده على المظلة العسكرية الأميركية، وتجلى ذلك في اعتماد المظلة النووية الفرنسية وانتشارها على كل دول الاتحاد مقابل المساهمة في عمليات التطوير والصيانة.

وإنشاء آلية تنسيق تضم حاليًا فرنسا، ألمانيا، بولندا، وإيطاليا للتشاور حول استراتيجيات الردع النووي، وهو ما يمثل أول بديل مؤسسي لـ"مجموعة التخطيط النووي" التابعة للناتو. وتفعيل خطة "إعادة تسليح أوروبا" بميزانية أولية بقيمة 1.5 مليار يورو لدعم التصنيع العسكري المشترك، مع اشتراط أن يكون السلاح "صناعة أوروبية" لتقليل الارتباط بسلاسل الإمداد الأميركية، والبدء في إنتاج أول طائرة حربية من الجيل السادس لتكون بديلًا عن مقاتلات إف 35 الشبحية الأميركية.

استثناء الإنفاق العسكري من قيود العجز في ميزانيات الاتحاد الأوروبي، وتشكيل قوة عسكرية أوروبية قوامها 5000 جندي يمكنها التدخل الفوري دون الحاجة للأصول اللوجستية الأميركية، وتعزيز دور "هيئة الأركان العسكرية للاتحاد الأوروبي" (EUMS)، وهو ما ظهر في التنسيق الأخير لرفض العمليات الأميركية ضد إيران.

وكانت الضربة الحاسمة أن دولًا مثل إيطاليا وإسبانيا قامت فعليًا بمراجعة "اتفاقيات الدفاع الثنائية" مع واشنطن، لفرض شروط تمنع استخدام القواعد في عمليات لا يقرها الاتحاد الأوروبي أو لا تخدم أمنها القومي.

حتى بريطانيا، التي تصنف نفسها حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة وخرجت طوعًا من الاتحاد الأوروبي، وقعت مع فرنسا في يوليو 2025 "ميثاق التعاون النووي والاستراتيجي" لضمان تنسيق الغواصات النووية البريطانية والفرنسية لحماية الأجواء الأوروبية في حال انسحاب أمريكا من الناتو.

من المؤكد أن العلاقة بين ضفتي الأطلسي لن تعود كما كانت على أقل تقدير في عهد الرئيس ترامب، الذي أصبح شاهدًا وسببًا في الصدع الذي يهدد علاقتهما وربما يعرضها للانفصال. وستكون نهاية الحرب الإيرانية هي ورقة طلاق بين الجانبين وبداية علاقة جديدة بينهما.. وهذه المرة لن تكون قائمة على صيغة التابع والمتبوع التي صبغت العلاقة بينهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل إن أحد أهم مرتكزاتها ستكون "الندية".