الرؤية الإخراجية تنقذ رهان السيناريو المكرر في 'شكون كان يقول'

المسلسل يمزج بين الدراما الاجتماعية والغموض البوليسي في إطار عائلي مألوف، ليقدم عملا يتجاوز وصفته السردية التقليدية بفضل أداء تمثيلي قوي ورؤية إخراجية بصرية ذكية تعمق أبعاد الشخصيات.

يبرز مسلسل "شكون كان يقول" للمخرجة المغربية صفاء بركة الذي يعُرض في رمضان 2026 على القناة الأولى المغربية محاولة طموحة لرسم لوحة درامية تعبر عن بعض التحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المجتمع المغربي المعاصر في ظل الضغوط الاقتصادية والعائلية المتزايدة، إذ ينسج العمل خيوطاً درامية متعددة تجمع بين صراعات الميراث داخل عائلة ثرية، علاقات حب معقدة مليئة بالخيانة والشك، وقضية جريمة قتل تُشكل محور التشويق الرئيسي طوال الحلقات.

العمل من تأليف هشام الغفولي ومحمد الكامة مع مساهمات من أسامة أسوس في بعض الجوانب السردية، ويضم كل من عبد اللطيف شوقي ، نسرين تومي ا، إبتسام العروسي ومحمد كافي وهاجر مصدوقي ونبيل عاطف وسعاد خيي،  وسيمة الميل، خليل اوباعقا، المهدي فلان، حسناء مومني، عبدالرحيم المنياري، زهور السليماني، واخرون...

تتمحور القصة حول شخصية أسماء التي تحمل جروح طفولة قاسية في دار الأيتام بعد فقدان والدتها، وكنزة التي تعاني من إكراهات زوجية وعائلية تجعلها تواجه صراعاً داخلياً عويصا، إذ يخاطب  المسلسل قضايا اجتماعية حقيقية مثل العنف الأسري، الهشاشة الاجتماعية، صراع الأجيال، وتأثير البطالة على العلاقات الإنسانية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات نقدية جوهرية حول مدى أصالة الفكرة الدرامية مقابل الرؤية الاخراجية.

 يحيل عنوان مسلسل "شكون كان يقول"  الى محاولة درامية لخلق لغز جريمة قتل يعتمد على الإيهام والتضليل، إذ يركز التشويق على دائرة المقربين من الضحية "عامر" مع تراكم أدلة مضللة تجعل الجمهور يشك في الابن أو الزوجة أو الشركاء، بينما يبرز دور عبد الرحيم المنياري في شخصية "علال" أو "با علال" كبواب أو حارس  نراه هامشياً وغير مشبوه، لكنه يحمل ترددات نفسية خفية من خلال نظراته وصمته المشحون الذي يوحي بماضٍ مؤلم مرتبط ربما بابنته أو ظلم سابق، هنا يعتمد الإخراج على هذا التباين الذكي ليخدع المتفرج، فالشخصية الثانوية التي لا يشك فيها أحد غالباً ما تكون المفتاح في مثل هذه الحبكات الكلاسيكية. لماذا؟ لأن هناك ترددات "با علال" كإشارات دقيقة تبني الغموض تدريجياً دون إفصاح مبكر، يجعله مرشحاً مثالياً للكشف الصادم في النهاية إذا اعتمد العمل على عنصر "القاتل غير المتوقع"أو "شكون كان يقول"؟

يستند السيناريو إلى بنية درامية مكررة ومألوفة في الإنتاجات التلفزيونية المغربية والعربية لكنها ناجحة تجاريا ، لماذا؟ لأنه يعتمد بشكل أساسي على صراعات الميراث داخل عائلة تمتلك ثروة وسلطة اقتصادية وهذا خلم الفقراء، فتتداخل مع هذا الصراع علاقات عاطفية معقدة مليئة بالغيرة والخيانة والشكوك المتبادلة بين الأزواج والأشقاء وهذا سخط الاغنياء،  ليخلق توتراً درامياً مستمراً، ثم تأتي جريمة قتل شخصية عامر لتشكل النقطة الفاصلة في مسار الأحداث،  فتتحول القصة من دراما عائلية إلى لغز بوليسي يتطلب كشف الحقيقة، بينما يقود الضابط طارق التحقيق بطريقة تفتح الباب أمام شبكة واسعة من الاتهامات والشبهات التي تشمل جميع أفراد العائلة تقريباً دون استثناء، لكن هل ينجح فنيا كرسالة اجتماعية هادفة وغير مضللة او مشتتة او ملغومة؟

ويعتبر هذا الهيكل السردي مألوفاً جداً للمشاهد الذي تابع عشرات المسلسلات الرمضانية السابقة التي اعتمدت نفس الوصفة تقريباً: ميراث + حب محرم + جريمة + تحقيق، في حين يفتقر العمل في كثير من الأحيان إلى عنصر المفاجأة الحقيقية أو التحول الجذري الذي يغير مسار التوقعات لان العنوان يفضح لغز الاحداث، فما تجعل المشاهد يركض وراءه ليفك خيوط الجريمة، يخبرهم العنوان  بأنكم على خطأ، على على الاقل كي يجعل المتلقي يشعر أحياناً بأنه يتابع قصة سبق له أن شاهد نسخاً مشابهة منها، لذلك يظل الانطباع العام أن السيناريو يعتمد على مسارات معروفة مسبقاً دون أن يقدم تجديداً كافياً يرفعه إلى مستوى مختلف عن الإنتاجات الاعتيادية.

ويبرز الأداء التمثيلي كأحد أقوى وأبرز نقاط القوة في المسلسل وأكثرها إقناعاً وتأثيراً على الجمهور، إذ  ومحمد كافي أداءً  قويا كعادته، متعدد الطبقات، ويشخص اضطراب نفسي عويض يعاني منه الكثير، بين حبه للشهوات والسلطة الأبوية المتسلطة، في حين قدم المهدي فولان تشخيصا رصينا في جهة ثانية  تبدو منفصلة عن العمل لوهلة، لكنه قوي جدا في حضوره

 أبدعت حسناء مومني في تشخيص المرأة السادجة الطيبة بحس فكاهي من جهة وبدراما واقعية أضحت نادرة في المجتمع المعاصر و هي النية في المعالمة مع الناس، بينما ساهمت إبتسام العروسي في إضفاء مصداقية كبيرة  كفتاة بدون والدين من دار الايتام، تتعرض للظلم فتتحول الى شخصية جبارة لا تقهر،  في حين عبدالرحيم المنياري كعادته يبدع بدون منازع  الرجل متمكن من ادوات التشخيص بدون ان يرتجف او يرتجل في الحوار،، ويحافظ الطاقم التمثيلي على تماسك الشخصيات و انسجامها رغم بعض الهفوات البسيطة في الحوارات أو الإيقاع الناتجة عن ضغط الإنتاج الرمضاني السريع.

ويثمن الجهد الإخراجي الذي قدمته صفاء بركة في توظيف اللغة البصرية بذكاء وإحساس فني رفيع يميز العمل عن كثير من الإنتاجات المماثلة لانها تستخدم اللقطات القريبة والقريبة جداً بكثرة لإبراز تعابير الوجوه والانفعالات الدقيقة التي تعبر عن الحالة النفسية للشخصيات عن قرب، فتساعد هذه التقنية على نقل  ملامح الحزن و المكر و الخداع بشكل أكثر تأثيراً وإيحاءً من مجرد الحوارات، وهذا يعتبر دقيقا في تصوير الجراما ويحسب لمن يقترح زوايا التصوير واللقطات.