السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني

الحكي يتحول في مشروع الكاتب الجزائري من مجرد حكاية للأحداث إلى أداة معرفية وتجربة تأويلية تستكشف تعقيدات الوجود الإنساني في أبعاده الزمنية والأخلاقية.

اذا نظرنا إلى روايات قويدر ميموني الثلاث (رسائل إلى تافيت، إل كامينو دي لا مويرتي، ما لا يخفيه الظلام) في أفق نقدي أوسع، أمكن إدراك أن مشروعه السردي لا ينتمي إلى تقاليد الرواية التي تجعل الحكاية مركز البناء، إنما إلى نوع من الكتابة التي تتعامل مع السرد بوصفه أداة معرفية لفحص التجربة الإنسانية في لحظات توترها القصوى. فالحكاية في هذا العالم الروائي لا تؤدي وظيفة نقل الأحداث أو تنظيم المصائر بقدر ما تتحول إلى وسيلة لتوليد أسئلة حول الإنسان وهو يختبر حدود حريته وذاكرته وتاريخه. ومن ثم فإن البنية السردية في هذه الأعمال لا تقوم على منطق التتابع الحكائي بقدر ما تقوم على منطق الكشف التدريجي عن طبقات من المعنى لا تستقر عند مستوى واحد من الفهم. بهذا المعنى يمكن القول إن السرد عند قويدر ميموني يشتغل بوصفه شكلا من أشكال المعرفة، أي بوصفه تجربة تأويلية تجعل القارئ مشاركا في عملية استكشاف الإنسان لا مجرد متلقٍّ لوقائع حكائية، وهو تصور يقترب من الفكرة التي بلورها ميلان كونديرا حين رأى أن الرواية ليست حكاية عن العالم بقدر ما هي شكل من أشكال استكشاف الوجود الإنساني في تعقيده وغموضه.

تتجلى هذه السمة أولا في الطريقة التي تُبنى بها الشخصيات، إذ لا تظهر باعتبارها كيانات مكتملة الملامح أو نماذج أخلاقية واضحة الحدود، إنما بوصفها بؤرا للتوتر المعرفي. فالشخصية عند ميموني لا تتحدد عبر أفعالها الظاهرة بقدر ما تتشكل من خلال علاقتها بالأسئلة التي تعجز عن حسمها. إنها كائنات تقف دائما عند حافة القرار دون أن تمتلك يقينا كاملا بما تفعل، الأمر الذي يحول الفعل السردي نفسه إلى تجربة اختبار. ومن هنا تبدو المصائر التي ترسمها الروايات أقرب إلى مسارات استكشاف منها إلى مسارات تحقيق؛ فالشخصيات لا تتحرك لتحقيق هدف محدد بقدر ما تتحرك داخل شبكة من الاحتمالات التي تعكس التباس التجربة الإنسانية. وبهذا المعنى فإن الحكاية لا تُبنى حول عقدة تُحل في النهاية، ولكن حول سؤال يظل مفتوحا حتى بعد انغلاق النص. وهذه الطبيعة المفتوحة للشخصيات، التي لا تختزل في موقف واحد ولا في صوت واحد، تجعلها أقرب إلى ما وصفه ميخائيل باختين بتعدد الأصوات داخل الرواية، حيث لا تكون الشخصية مجرد أداة في يد السارد ولكن حاملا لوجهة نظر وجودية مستقلة تشارك في بناء المعنى.

ويتضح هذا البعد المعرفي أيضا في الطريقة التي يتعامل بها السرد مع الزمن. فبدلا من أن يكون الزمن إطارا محايدا تنتظم داخله الوقائع، يتحول إلى عنصر بنيوي يكشف عن طبيعة العلاقة بين الوعي وتجربته. فالانتقالات الزمنية المتكررة لا تؤدي وظيفة تقنية فحسب، إنما تعبر عن تصور خاص للتجربة الإنسانية بوصفها بنية مركبة تتداخل فيها طبقات الماضي والحاضر على نحو يصعب فصله. إن الزمن في هذه الروايات ليس خطا مستقيما يقود إلى نتيجة، إنما فضاء متشظيا يعكس الطريقة التي يعمل بها الوعي حين يحاول فهم ذاته. ومن خلال هذا التشظي يصبح السرد أشبه بعملية استعادة مستمرة للتجربة، حيث تتغير دلالة الحدث كلما أعيد النظر إليه من زاوية جديدة.

وهكذا لا يُقدَّم الماضي بوصفه معطى ثابتا، إنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة، وهو ما يحول السرد إلى ممارسة تأويلية لا تنتهي. ويمكن النظر إلى هذا الاشتغال الزمني في ضوء ما طرحه بول ريكور حول العلاقة بين السرد والزمن، حيث يرى أن التجربة الزمنية لا تُفهم إلا عبر السرد الذي يعيد تنظيمها ويمنحها معنى داخل ما يسميه "الهوية السردية"، أي ذلك الشكل من الهوية الذي يتكون عبر إعادة رواية التجربة وتأويلها.

وإلى جانب الزمن، يكتسب الفضاء الروائي وظيفة معرفية موازية. فالمكان لا يظهر بوصفه خلفية جغرافية للأحداث، إنما بوصفه بنية دلالية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بعالمه. فالأمكنة في هذه الروايات تحمل كثافة رمزية تجعلها أقرب إلى مرايا تعكس التحولات الداخلية للشخصيات. إنها فضاءات تتداخل فيها الذاكرة بالتاريخ، والواقع بالمخيال، بحيث يصبح المكان جزءا من البنية التأويلية للنص.

ومن خلال هذه العلاقة المعقدة بين الإنسان وفضائه تتضح إحدى السمات الأساسية لكتابة ميموني: تحويل العناصر التقليدية للرواية إلى أدوات لفهم التجربة الإنسانية في عمقها الوجودي. وهنا يلتقي هذا التصور مع ما يؤكد عليه باختين في مفهومه عن "الكرونوتوب"، أي تداخل الزمان والمكان داخل البنية السردية بوصفهما معا إطارا يتجسد فيه معنى التجربة الإنسانية.

غير أن أكثر ما يميز هذا المشروع السردي هو الطريقة التي يعاد من خلالها التفكير في البعد الأخلاقي داخل الرواية. ففي كثير من التقاليد السردية يقوم البناء الحكائي على صراع واضح بين قيم متعارضة، بحيث يتجه السرد في النهاية إلى نوع من إعادة التوازن الأخلاقي. أما في هذه الروايات فإن البنية الأخلاقية تبدو أكثر التباسا وتعقيدا. فالشخصيات لا تتحرك داخل منظومة قيم مستقرة، إنما داخل فضاء تتداخل فيه الدوافع والرغبات والضغوط التاريخية على نحو يجعل الحكم الأخلاقي مسألة إشكالية. ومن ثم فإن السرد لا يسعى إلى إدانة أو تبرير بقدر ما يسعى إلى فهم الشروط التي تجعل الإنسان يتخذ قراراته في لحظات معينة. وبهذا يتحول الفعل الروائي إلى أداة لفحص الطبيعة المركبة للتجربة الأخلاقية، حيث يتكشف أن الحدود بين الخير والشر ليست دائما واضحة كما تبدو في الخطابات الأخلاقية المبسطة.

وهذا ما يجعل الرواية هنا أقرب إلى ما يسميه كونديرا "حكمة الرواية"، أي تلك القدرة الخاصة للأدب على كشف تعقيد الوجود الإنساني دون اختزاله في أحكام أخلاقية جاهزة.

هذا التوتر الأخلاقي يتصل بدوره بالبنية المعرفية الأوسع للنصوص، إذ يجعل القارئ في مواجهة أسئلة تتجاوز مصائر الشخصيات إلى طبيعة الفهم الإنساني ذاته. فالسرد لا يقدم المعرفة بوصفها نتيجة جاهزة، إنما بوصفها عملية تتشكل عبر التفاعل بين النص والقارئ. إن القراءة هنا ليست استهلاكا لحكاية، إنما مشاركة في تجربة تأويلية تتطلب من القارئ أن يعيد ترتيب العناصر المتناثرة للنص لكي يبني معنى خاصا به. ومن خلال هذا التفاعل يصبح النص فضاء مفتوحا للحوار بين رؤى مختلفة للعالم، الأمر الذي يقرب هذه الكتابة من التصور الذي يرى في الرواية شكلا معرفيا قادرا على استكشاف تعقيد التجربة الإنسانية بطرق لا تستطيع الخطابات الفلسفية أو التاريخية تحقيقها بالقدر نفسه. وفي هذا السياق يمكن استحضار تصور ريكور للقراءة بوصفها فعلا تأويليا يكتمل فيه معنى النص عبر أفق القارئ، حيث يتقاطع العالم الذي يقترحه النص مع تجربة المتلقي الخاصة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن روايات قويدر ميموني تنتمي إلى نمط من الكتابة السردية التي تنظر إلى الأدب بوصفه وسيلة لاكتشاف الإنسان أكثر مما تنظر إليه بوصفه وسيلة لتمثيل الواقع.

فالعالم الذي تبنيه هذه الروايات ليس مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي أو التاريخي، إنما فضاء تخييلي يسمح بإعادة التفكير في الأسئلة التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية: سؤال الحرية، وسؤال الذاكرة، وسؤال المسؤولية الأخلاقية. ومن خلال هذا المنظور تتحول الحكاية إلى أداة معرفية تكشف عن حدود الفهم الإنساني بدلا من أن تقدم إجابات نهائية. إن الرواية هنا لا تمنح القارئ يقينا بقدر ما تمنحه وعيا بمدى تعقيد العالم الذي يعيش فيه، وهو ما يجعل القراءة نفسها تجربة فكرية توازي في عمقها التجربة الجمالية للنص.

بهذا المعنى يندرج مشروع ميموني ضمن التحولات التي عرفتها الرواية الحديثة حين انتقلت من سرد المغامرة أو الحدث إلى استكشاف الوجود الإنساني في تعدده والتباسه. فالسرد لم يعد مجرد وسيلة لتنظيم الوقائع، إنما أصبح فضاء تتقاطع فيه المعرفة بالتجربة، والفلسفة بالتخييل، والتاريخ بالذاكرة. ومن خلال هذا التقاطع تنجح هذه الروايات في تحويل الأدب إلى مجال للتفكير في الإنسان وهو يواجه هشاشته وحدوده، حيث لا يعود السؤال عن مصير الشخصيات هو الأهم، إنما السؤال عن المعنى الذي تكشفه تلك المصائر حول طبيعة الوجود الإنساني نفسه؛ وهو الدور الذي يجعل الرواية، كما يرى كونديرا، أحد أكثر الأشكال الأدبية قدرة على كشف مناطق العتمة في التجربة البشرية التي تعجز الخطابات الأخرى عن بلوغها.