بنية المكان وذاكرة الهامش في 'لاروزا بيرديدا'

رواية كريستوفر لاكييز تُحوّل البنية من فضاء مادي إلى إدراك حي ومركز للوعي المقاوم، حيث تتشكل الحقيقة في الحواشي وبين شقوق تتركها السلطة، بعيدا عن أطر البطولة التقليدية.

ليست رواية "لا روزا بيرديدا" La Rosa Perdida لكريستوفر لاكييز من الكتب التي استقبلتها ببرود القارئ المعتاد؛ وإنما من تلك التي اقتربت منها بحذر، كمن يمد يده نحو سطح ساخن، مترددا بين الرغبة والخشية. منذ الصفحات الأولى، لم تمنحني مسافة آمنة، وإنما دفعتني إلى الداخل دفعة واحدة، كأنني لم أعد أقرأ، وإنما أوجد داخل هذا المكان، أتنفس هواءه، وأصغي لما يتسرب بين جدرانه من اعترافات لا تقال علنا.

ليس البيت هنا مجرد مسرح للأحداث، وإنما هو الكائن الأكثر حضورا وثقلا. كلما تقدمت في القراءة، ازداد شعوري بأن البشر فيه عابرون، بينما الجدران هي التي تبقى، تحفظ، تراكم، وتعيد توزيع ما تعرفه.

هناك شيء مقلق في هذا التصور: أن المكان قد يكون أذكى من ساكنيه، أكثر صبرا، وأكثر قدرة على الاحتفاظ بالحقيقة. أعادني هذا الإحساس، بشكل أو بآخر، إلى العوالم الخانقة لدى خوسيه دونوسو في "الطائر الفاحش في الليل"، حيث يتحول المكان المغلق إلى بنية تبتلع من يسكنها، لا مجرد فضاء يحتضنهم.

كنت أقرأ، وأشعر بأنني لا أتابع حكاية بقدر ما أقترب من طبقات متراكمة من الزمن، كأن الرواية لا تتحرك إلى الأمام بقدر ما تعمق طبقاتها الداخلية، وتعيد ترتيب الزمن داخلها بدل أن تسرده خطيا. وهذا ما جعلني أفكر في الطريقة التي يتعامل بها الأدب في أميركا اللاتينية مع المكان: ليس كخلفية، وإنما كذاكرة حية. هنا تحديدا، وجدت صدى واضحا لعالم خوان رولفو في رواية "بيدرو بارامو"، حيث تحتفظ الأرض نفسها بالأصوات، وتعيدها لمن يمر بها، كأنها ترفض أن تترك الماضي يمضي.

في سان خاسينتو ديل ريو، لم أشعر بأن الدكتاتورية تُفرض فقط عبر العنف المباشر، وإنما عبر شيء أكثر خفاء: تنظيم الصمت. كل شيء يبدو مضبوطا، مراقبا، محددا، ولكن في الوقت نفسه، هناك مناطق تُترك عمدا خارج الرؤية. ليس لأن السلطة لا تعرف بوجودها، وإنما لأنها لا تعترف بقيمتها. يندرج هذا التصور ضمن تقاليد رواية الدكتاتورية في أميركا اللاتينية، حيث يتحول الخوف إلى بنية غير مرئية تنظم الحياة اليومية، وتعيد تشكيل وعي الأفراد من الداخل، لا عبر القمع المباشر وحده.

وهنا تحديدا، في هذا الإقصاء، تنشأ المفارقة الكبرى: "لا روزا بيرديدا"، هذا المكان الذي يُفترض أنه على هامش الأخلاق (بيت دعارة)، يتحوّل إلى مركز للوعي. ليس لأنه أنقى، وإنما لأنه يرى ما لا يراه الآخرون. الرجال الذين يدخلونه بحثا عن متعة عابرة، يتركون خلفهم ما هو أثمن من أي اعتراف رسمي: أسماء، تواريخ، نوايا، لحظات ضعف. وكأن الحقيقة، في هذا العالم، لا تُنتزع بالقوة، وإنما تُلتقط في لحظات الاسترخاء، حين يسقط القناع دون أن يشعر صاحبه. يذكّر هذا المنطق -أن الحقيقة تتشكل في الهامش- أيضا بأعمال إيلينا بونياتوفسكا، خاصة "ليلة تلاتيلولكو"، حيث يبنى التاريخ من الأصوات التي لا تُدوَّن رسميا.

هذا ما جعلني أستحضر، وأنا أتابع تشكل هذه الشبكة الخفية من المعرفة، أعمال ماريو بارغاس يوسا، خاصة "حفلة التيس"، حيث ليست السلطة فقط جهازا قمعيا، وإنما بنية نفسية تتغلغل في الأفراد، تجعلهم شركاء في استمرارها حتى وهم ضحاياها. لكن ما يميز "لا روزا بيرديدا" هو أنها لا تكتفي بكشف هذه البنية، وإنما تبحث في الشقوق التي تسمح بمقاومتها، ولو بشكل جزئي، ولو بثمن باهظ.

صوفيا أوردونييث، في هذا السياق، ليست شخصية يمكن اختزالها بسهولة. كلما حاولت أن أجد لها تعريفا، أفلتت مني. ليست بطلة تُلهم، ولا ضحية تُرثى، وإنما شيء ثالث، أكثر تعقيدا: وعي يتشكل داخل القيود، لا خارجها. هنا، شعرت بقرب خافت من عوالم كلاريس ليسبكتور، خاصة في "ساعة النجم"، حيث تتشكل الذات في الهشاشة، لا في البطولة، وفي التناقض، لا في النقاء.

ما أربكني فيها هو أنها لا تبحث عن النقاء. لا تحاول أن تكون مثالا، وإنما أن تكون فاعلة. وهنا، وجدت نفسي مضطرا إلى مواجهة سؤال غير مريح: هل نحتاج دائما إلى أبطال نقيين لنؤمن بالمقاومة؟ أم أن أكثر أشكال المقاومة واقعية هي تلك التي تقبل أن تتلوث قليلا كي تستمر؟

النساء الأخريات في البيت لا يقللن أهمية عنها، وإنما يشكلن معها شبكة معقّدة من الانتباه والذاكرة. لم أشعر بأنهن شخصيات ثانوية، وإنما بأنهن البنية التحتية لكل ما يحدث. يرين ما لا يقال، ويسمعن ما يُهمس، ويعرفن متى يصمتن ومتى يتكلمن. وهنا، خطر لي بأن التاريخ، كما نعرفه، قد يكون مجرد نسخة مبتورة، لأن ما يحدث في أماكن كهذه -في الغرف المغلقة، في اللحظات الهامشية- نادرا ما يُكتب.

لكن الرواية لا تسمح لنا بالاحتفاء السهل بهذا الدور الخفي. على العكس، تُظهر بوضوح الثمن الذي يُدفع. لا شيء يأتي مجانا: كل معلومة تُكتسب، كل خطوة تُتخذ، تمر عبر تنازلات صامتة، عبر علاقات مختلة، عبر صبر طويل على ما لا يُحتمل. ليست الحرية هنا فكرة مجردة، وإنما ممارسة يومية محفوفة بالخطر، قابلة للانهيار في أي لحظة.

وأنا أقرأ، لم أستطع أن أحتفظ بموقعي كقارئ خارجي. كانت هناك لحظات شعرت فيها بأن الرواية تدفعني لأتساءل عن نفسي، لا عنها. ماذا كنت سأفعل لو وجدت نفسي في هذا العالم؟ هل كنت سأمتلك شجاعة صوفيا؟ أم أنني كنت سأختار منطقة أكثر أمانا، أبرر فيها صمتي باسم الحكمة أو الحذر؟

لم يكن الأمر الأكثر إزعاجا في الشخصيات، وإنما في المسافة الضيقة التي تفصل بينها. ماتياس، الذي يخون، ليس كائنا غريبا تماما عن عالم صوفيا، التي تقاوم. كلاهما يتحرك داخل الخوف نفسه، داخل الشروط نفسها، ومع ذلك، يصلان إلى اختيارات متباينة. هنا، لم تعد المسألة خيرا في مواجهة شر، وإنما شيئا أكثر غموضا: تباين في القدرة على الاحتمال، أو ربما في الطريقة التي يفهم بها كل منهما نجاته.

لم تكن علاقتي بالأدب في أميركا اللاتينية، منذ بدايتها، علاقة قراءة مريحة. مع غابرييل غارسيا ماركيز، خاصة في "مئة عام من العزلة"، شعرت بأن الواقع يمكن أن يعاد تخيله دون أن يفقد صدقه. ومع إيزابيل أليندي في "بيت الأرواح"، أدركت كيف يمكن للعائلة أن تختزن تاريخا كاملا من العنف والحنين. لكن "لا روزا بيرديدا" جاءت لتدفعني خطوة أبعد: لم تقدم لي عالما يمكن تأمله من مسافة، وإنما وضعتني في تماس مباشر مع هشاشة الإنسان حين يحاصر.

تلعب لغة كريستوفر لاكييز دورا حاسما في هذا الإحساس. ليست لغة تصف بقدر ما تلمس. هناك حضور دائم للجسد، للرائحة، للصوت، كأن النص يرفض أن يتحول إلى فكرة مجردة. وهذا ما جعل القراءة بطيئة أحيانا، ليس لصعوبتها، وإنما لكثافتها.

في نهاية المطاف، لم أخرج من هذه الرواية بإحساس الحسم. لم أشعر بأنني فهمت عالمها بقدر ما شعرت بأنني أصبحت أقل يقينا في فهمي للعالم عموما. وهذا، بالنسبة لي، ليس نقصا، وإنما ربما ما يمنح العمل قيمته الحقيقية: أنه لا يقدم لك أجوبة جاهزة، وإنما يضعك في موضع لا تعود فيه بعض الأجوبة القديمة كافية.

ليست "لا روزا بيرديدا" رواية تسعى إلى الإبهار، وإنما إلى التسلل. لا تصرخ، وإنما تهمس، لكن همسها يبقى. ومع الوقت، يصبح هذا الهمس أثقل من أي صخب، لأنه لا يتركك كما كنت.