مأزق اليقين في رواية 'الطبيب النفسي'

خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس يصنع في عمله مختبرا فلسفيا ساخرا ينقد تحوّل العقل العلمي إلى سلطة مطلقة، كاشفاً عن هشاشة الحدود الفاصلة بين الرشد والجنون في ظل صراع المعرفة والسياسة.

في قلب الأدب البرازيلي في القرن التاسع عشر، يبرز اسم خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس كحالة فريدة: كاتب لا ينتمي تماما إلى واقعه التاريخي، ولا إلى تقاليد السرد التي سبقت عصره؛ يبدو وكأنه يكتب من زاوية متقدمة زمنيا، أقرب إلى حساسية القرن العشرين منها إلى زمن الإمبراطورية البرازيلية. ومن بين أعماله القصيرة، تحتل رواية "الطبيب النفسي" (L’Aliéniste) موقعا خاصا، لأنها ليست مجرد قصة عن الجنون والعقل، وإنما مختبر فلسفي ساخر تعاد فيه صياغة معنى الإنسان، والعلم، والسلطة، واليقين نفسه.

ليست "الطبيب النفسي" رواية بالمعنى التقليدي الذي يقوم على تطور شخصيات ذات مصائر فردية واضحة، إنها أشبه بنموذج مكثف لعالم صغير يُغلق على نفسه ليكشف قوانينه الداخلية حتى حدود العبث. مدينة إيتاغواي، بهدوئها الظاهري، ليست مكانا جغرافيا بقدر ما هي مسرح رمزي: مساحة يمكن فيها للعقل أن يجرب ذاته دون قيود، وأن يتحول العلم من أداة للفهم إلى قوة لإعادة تشكيل الواقع قسرا.

في هذا السياق يظهر الطبيب سايمون باكامارتي، ليس كشخصية روائية عادية، وإنما كرمز مكثف لفكرة "العقل العلمي حين يتحول إلى سلطة مطلقة". إنه عالم يملك إيمانا شبه ديني بالتصنيف، بالقياس، وبإمكانية إخضاع النفس البشرية لقوانين يمكن ضبطها كما يُضبط مختبر كيميائي. ومن هنا تنشأ المفارقة الأولى: العلم الذي وُجد لفهم الإنسان، يبدأ تدريجيا بإعادة تعريف الإنسان نفسه، لا كما هو، ولكن كما ينبغي أن يكون وفق معيار علمي متخيل.

إن مشروعه لإنشاء المصح العقلي، "البيت الأخضر"، يبدو في البداية خطوة تقدمية وحضارية. المدينة توافق، النخب تؤيد، والسلطات ترى فيه علامة على دخول البرازيل إلى الحداثة الأوروبية التي كانت في تلك الفترة تُعتبر النموذج الأعلى للعقل والتقدم. غير أن ماشادو دي أسيس لا يقدّم هذا المشروع بوصفه إنجازا، وإنما بوصفه بداية انزلاق بطيء نحو منطقة رمادية يصبح فيها تعريف "العقل" نفسه موضع شك دائم.

هنا تبدأ الرواية في كشف آليتها العميقة: تؤدي كل محاولة لتعريف الجنون إلى توسيع نطاقه. وتؤدي كل محاولة لضبطه إلى تضخم سلطته. وتتحول كل محاولة لعلاجه إلى إنتاج له.

إن باكامارتي، في جوهره، لا يكتشف الجنون، ولكن يعيد اختراعه باستمرار. فكلما تقدم في بحثه، اكتشف أن ما كان يعتبره "طبيعيا" سابقا لم يعد كذلك، وأن معايير العقل نفسها قابلة لإعادة الصياغة. وهكذا يتحول المصح من مكان لعلاج المرضى إلى جهاز لإنتاج "المرضى" وفق تعريف متغير. إنها حلقة معرفية مغلقة: يحدد العلم الجنون، ثم يوسع حدوده، ثم يجد أن المجتمع كله قد أصبح قابلا للإدراج داخله.

هذا التوتر بين المعرفة والسلطة هو أحد أهم مفاتيح الرواية. فالعلم عند باكامارتي لا يبقى معرفة محايدة، إنه يتحول إلى سلطة تنظيمية تتدخل في حياة الأفراد، وتقرر من يُعزل ومن يبقى، من يُعدّ عاقلا ومن يُصنف كمختل. وهنا يقترب النص من نقد مبكر لما سيُعرف لاحقا بفكرة "التقنيات الحيوية للسلطة"، أي تلك الآليات التي لا تقمع الأفراد بالقوة المباشرة فقط، وإنما تعيد تشكيلهم وفق معايير "علمية" تبدو محايدة.

لكن العبقرية السردية لدى ماشادو دي أسيس لا تكمن فقط في هذا التحليل، إنما في تحويله إلى كوميديا سوداء. فكل توسع في مشروع باكامارتي لا يؤدي إلى مأساة مباشرة، ولكن إلى سلسلة من المفارقات الساخرة: من يُعتبر عاقلا اليوم قد يصبح مجنونا غدا، والعكس صحيح، حتى تصبح المدينة كلها في حالة دوران مفاهيمي دائم، حيث لا شيء يثبت على تعريف واحد.

ومع تصاعد التجربة، يتبين أن الجنون ليس حالة فردية، وإنما علاقة اجتماعية. إنه ليس صفة داخل الشخص، ولكن نتيجة طريقة المجتمع في تعريف نفسه. فإذا كان معيار العقل هو الانسجام مع الأغلبية، فإن تغير الأغلبية يعني تلقائيا تغير معنى العقل نفسه. وهنا ينهار التصور الكلاسيكي للجنون بوصفه انحرافا ثابتا، ليحل محله مفهوم أكثر رعبا: الجنون كمعيار متحرك.

في هذا السياق، تصبح مؤسسة "البيت الأخضر" مرآة مشوهة للمجتمع ذاته. فهي لا تعزل الجنون خارجه، وإنما تكشف أن ما يُعزل هو في الحقيقة ما يُنتَج داخليا باستمرار. ومع اتساع نطاق الاحتجاز، تتبدل المواقع: من كان في الخارج يصبح في الداخل، ومن كان في الداخل يصبح في الخارج، حتى تتلاشى الحدود بين الاثنين.

غير أن الرواية لا تتوقف عند النقد العلمي، إنها تمتد إلى السياسة. فالمجتمع الذي يخضع لتجربة باكامارتي لا يبقى ساكنا، وإنما ينفجر في شكل حركات شعبية وثورات متتالية، تقودها أحيانا شخصيات هامشية تتحول فجأة إلى قادة. هنا يقدم ماشادو دي أسيس واحدة من أعمق سخرية سياسية في الأدب اللاتيني: الثورة نفسها ليست ضمانا للعقلانية؛ قد تكون استمرارا آخر للعبث تحت شعارات مختلفة.

فالسلطة التي تسقط لا تُستبدل دائما بما هو أكثر عدلا، وإنمل بما هو أكثر قدرة على التعبئة. ومع كل تغيير سياسي، يجد المصح نفسه إما محاصرا أو معادا تعريفه أو مستخدما من قبل السلطة الجديدة، مما يكشف أن الصراع ليس بين الحرية والقمع فقط، ولكن بين تعريفات متعددة للواقع نفسه.

وفي قلب هذا التشابك، يبرز سؤال فلسفي أكثر عمقا: ماذا يحدث عندما يصبح العقل نفسه مشروعا لإعادة تشكيل الإنسان؟ هل يمكن للمنطق أن يضبط الحياة دون أن يحولها إلى نسخة مشوهة من ذاته؟

باكامارتي، في نهاية المطاف، لا يُهزم من الخارج، وإنما من داخل منطقه الخاص. فكل توسع في نظامه يقوده إلى نتيجة أكثر تطرفا من السابق، حتى يصل إلى لحظة يصبح فيها الاستنتاج المنطقي الوحيد هو إعادة تعريف نفسه. وهنا تبلغ السخرية ذروتها: ينتهي العقل المطلق إلى التشكيك في نفسه كعقل.

لا يقدم هذا التحوّل كدراما بطولية، ولكن كاكتشاف هادئ ومقلق: أن البحث عن النظام الكامل يؤدي إلى نفي الواقع نفسه، وأن محاولة القضاء على الفوضى تنتج فوضى أكثر شمولا ولكن باسم العلم.

في الخلفية، يمكن قراءة الرواية أيضا كتأمل مبكر في حدود التنوير. فالعقل الذي بشر به الفلاسفة الأوروبيون كأداة للتحرر، يظهر هنا وقد تحول إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة، ليس عبر الجهل، وإنما عبر المعرفة نفسها. وهكذا لا تعود المشكلة في نقص العقل، وإنمل في فائضه حين يُطلق بلا حدود.

وأخيرا، لا تقدم الرواية حلا بقدر ما تقدم تفكيكا. فالمجتمع لا يعود إلى حالة مثالية، ولا ينتصر عليه الجنون، ولا ينتصر العقل، وإنما يُترك في حالة توتر دائم، حيث لا يمكن تثبيت معنى واحد لأي شيء.

ربما لهذا السبب تحديدا يبدو "الطبيب النفسي" نصا سابقا لزمنه: لأنها لا تسأل فقط من هو المجنون، إنها تذهب أبعد من ذلك لتسأل ما إذا كان تعريف الجنون نفسه مجرد انعكاس هش لرغبتنا في السيطرة على عالم لا يقبل السيطرة.

وفي هذا المعنى، يصبح الطبيب باكامارتي ليس شخصية في رواية، وإنما صورة مكثفة للإنسان حين يثق في عقله ثقة مطلقة. وحينها فقط يبدأ الجنون الحقيقي، كما يقترح النص بهدوء ساخر.