الطرب الغرناطي يواصل إشعاعه في مهرجان وجدة السنوي

فعاليات المهرجان تُختتم في أجواء احتفالية راقية، عكست عمق التراث الموسيقي الأندلسي وحضور الفرق الفنية المتميزة المشاركة.

وجدة (المغرب) ـ اختُتمت بمدينة وجدة فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان الطرب الغرناطي، الذي رسّخ مرة أخرى مكانته كأحد أبرز المواعيد الثقافية بالمملكة، المخصصة لصون التراث الموسيقي الأندلسي وتعزيز حضوره في الساحة الفنية الوطنية والدولية.

وقد جرت فعاليات هذه الدورة تحت شعار "الطرب الغرناطي: نبض الذاكرة ونوبات الجمال المتجدد"، في أجواء احتفالية عكست عمق الارتباط بين مدينة وجدة وهذا الفن العريق، الذي يُعد جزءا أصيلا من الهوية الثقافية المغربية.

وشهد حفل الاختتام حضورا جماهيريا لافتا، حيث استمتع الحاضرون بوصلات موسيقية راقية قدّمتها فرق متخصصة في الطرب الأندلسي والغرناطي، من بينها الفرقة الكبرى للموسيقى الأندلسية النحاسية، وفرقة الجمعية الأندلسية للطرب والمسرح والأدب، وجمعية خلود النسوية، التي أبدعت في تقديم "ريبرتوار" متنوع مزج بين أصالة الأداء ودقة العزف وروح الإبداع الفني.

وتُعد وجدة، الواقعة شرقي المملكة، من أهم الحواضر المغربية المرتبطة بفن الطرب الغرناطي، إلى جانب العاصمة الرباط، حيث لا يمكن ذكر المدينة دون استحضار هذا الإرث الموسيقي العريق الذي تأسس على قواعد فنية محكمة وروافد عربية وأندلسية ضاربة في التاريخ.

وتعود الجذور الأولى لهذا الفن إلى مدن غرناطة وقرطبة وإشبيلية، التي شكلت خلال القرن الحادي عشر الميلادي مراكز إشعاع ثقافي، تنافست في إنتاج أرقى أشكال الشعر والموسيقى والإنشاد، قبل أن ينتقل هذا التراث إلى المغرب العربي عقب سقوط الأندلس سنة 1492.

وتؤكد المعطيات التاريخية أن الطرب الغرناطي وصل إلى شمال إفريقيا عبر الموريسكيين الذين هُجروا قسرًا من الأندلس، حيث استقر العديد منهم في مدن مغربية مثل وجدة والرباط، حاملين معهم ثقافتهم الموسيقية وتقاليدهم الفنية التي اندمجت مع البيئة المحلية لتشكّل هوية موسيقية مميزة.

وتتميز مدينة وجدة اليوم بانتشار عدد كبير من الفرق الموسيقية التي تسهر على الحفاظ على هذا التراث من الاندثار، في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الموسيقي المعاصر، وهي فرق تواصل تقديم عروضها في المهرجانات الوطنية والدولية، محافظة على روح الموسيقى الأندلسية وقواعدها الإيقاعية الدقيقة.

ويعتمد الطرب الغرناطي على مجموعة من الآلات الموسيقية التقليدية، أبرزها: القانون، والكمنجة، والعود، إضافة إلى الدربوكة، والناي، والغيطة، التي تشكل معًا الهوية الصوتية لهذا الفن التراثي.

وقد أكد الباحث في التراث الموسيقي علي أفقير أن هذا الفن انتقل إلى المغرب عبر الموريسكيين الذين استقروا في المدن المغربية بعد التهجير القسري، حيث حافظوا على طقوسهم الثقافية والموسيقية، وأسهموا في نقل هذا الإرث إلى الأجيال اللاحقة، مما ساعد على ترسيخه داخل النسيج الثقافي المغربي.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح المدير الجهوي للثقافة بجهة الشرق بالنيابة، ياسين عبداللاوي، أن هذه الدورة تمثل محطة جديدة في مسار تثمين الطرب الغرناطي، مبرزًا أن المهرجان يسعى إلى صون هذا التراث اللامادي باعتباره منظومة ثقافية متكاملة تربط الماضي بالحاضر في إطار "سفر للجمال المتجدد".

ومن جهته، شدد رئيس الجمعية الأندلسية للطرب والمسرح والأدب، محمد شعبان، على أهمية اعتماد مقاربات تفاعلية لجذب فئة الشباب إلى هذا الفن، معتبرًا أن الجمع بين العزف والغناء يسهم في تعزيز الارتباط الوجداني للأجيال الصاعدة بهذا الموروث الأصيل.

وشكلت هذه الدورة أيضًا مناسبة لتكريم عدد من الوجوه الفنية التي ساهمت في الحفاظ على هذا التراث، حيث تم الاحتفاء بالفنان الحاج محمد حيدا والفنانة بكيوي نريمان، تقديرًا لمسيرتهما الفنية وإسهاماتهما في نقل الطرب الغرناطي إلى الأجيال الجديدة.

وعبرت الفنانة المكرمة بكيوي نريمان عن اعتزازها بهذا التكريم، معتبرة إياه محطة مهمة في مسيرتها الفنية، ودافعًا لمواصلة العطاء، وفاءً لرسالة الحفاظ على هذا التراث الموسيقي العريق.

كما تضمن برنامج هذه الدورة تنظيم معارض موضوعاتية حول صناعة الآلات الموسيقية، إلى جانب معرض للكتب والإصدارات المتخصصة في الموسيقى الأندلسية، فضلاً عن ندوة فكرية تناولت الأبعاد الجمالية والمعرفية لهذا الفن ودوره في تعزيز الهوية الثقافية المغربية.

وأكد المنظمون أن هذا الموعد الثقافي السنوي يهدف إلى ترسيخ مكانة وجدة كحاضنة للطرب الغرناطي، وجسر للتلاقح الحضاري، وفضاء للتعايش الثقافي، بما يعزز إشعاع المدينة على المستويين الوطني والدولي.

وبذلك، تؤكد الدورة الـ33 من مهرجان الطرب الغرناطي استمرار هذا الحدث في أداء دوره الثقافي والفني، كمنصة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتحافظ على أحد أهم مكونات الذاكرة الموسيقية المغربية.