مراكش تفتح أبواب تراثها أمام الزوار
مراكش (المغرب) ـ انطلقت بمدينة مراكش، مساء الخميس، فعاليات الدورة الرابعة من تظاهرة أيام التراث بمراكش، في أجواء احتفالية مميزة احتضنها قصر الباهية، أحد أبرز المعالم التاريخية التي تختزل ذاكرة المدينة الحمراء وثراءها المعماري.
وشهد حفل الافتتاح حضور شخصيات بارزة من عالم الثقافة والفن، إلى جانب مهتمين بالتراث وممثلين عن مؤسسات محلية ووطنية، في تأكيد جديد على الأهمية المتزايدة التي يحظى بها هذا الحدث الثقافي.
وتنظم هذه التظاهرة من قبل جمعية تراث، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة، وجهة مراكش آسفي، ومجلس جماعة مراكش، إضافة إلى مؤسسة حدائق ماجوريل والمجلس الجهوي للسياحة بمراكش، في إطار رؤية مشتركة تهدف إلى تثمين التراث المادي واللامادي للمدينة، وتعزيز إشعاعها الثقافي والسياحي على الصعيدين الوطني والدولي.
وتأتي هذه الدورة تحت شعار 'مراكش، تراث حي: حدائق، خبرة، روحانيات'، وهو شعار يعكس عمق الهوية الثقافية للمدينة، التي لا تقتصر على معالمها التاريخية فقط، بل تمتد لتشمل تقاليدها الروحية، وحرفها العريقة، وأنماط العيش التي توارثها السكان عبر الأجيال. وتُعد هذه التظاهرة دعوة مفتوحة لاكتشاف مراكش من زوايا متعددة، تجمع بين جمال حدائقها التاريخية، وغنى تراثها الثقافي، وحيوية فضاءاتها الشعبية.
وتمنح 'أيام التراث' للزوار فرصة فريدة لخوض تجربة غامرة عبر الزمن، من خلال جولات إرشادية منظمة داخل المدينة العتيقة، يقودها مرشدون متخصصون يعملون على تقديم شروحات معمقة حول تاريخ المواقع الأثرية وأهميتها. ولا تقتصر هذه الجولات على السياح فقط، بل تستهدف بشكل خاص سكان المدينة، وخاصة فئة الشباب، بهدف تعزيز وعيهم بقيمة التراث وضرورة الحفاظ عليه.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة جمعية تراث، سعاد بلقزيز، أن هذه التظاهرة تمثل مناسبة سنوية لتقريب المواطنين من تراثهم، من خلال تنظيم زيارات ميدانية وأنشطة توعوية تسعى إلى نقل هذا الإرث الثقافي إلى الأجيال الصاعدة. وأشارت إلى أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على المؤسسات، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب انخراط مختلف فئات المجتمع.
وأضافت، أن دورة هذه السنة تتميز ببرمجة جولات مجانية رفقة مرشدين، إلى جانب تسليط الضوء على مواقع أثرية غير معروفة لدى العموم، في محاولة لإعادة الاعتبار لعدد من الفضاءات التي تزخر بها المدينة، لكنها تظل خارج المسارات السياحية التقليدية. واعتبرت أن نجاح أنشطة الجمعية هو ثمرة عمل جماعي، قائم على شراكات فاعلة مع مؤسسات تتقاسم نفس الرؤية الهادفة إلى صيانة التراث وتثمينه.
من جانبه، أوضح حسن فنين، المدير العام لـالمدرسة العليا للتجارة بمراكش، وعضو جمعية 'تراث'، أن برنامج التظاهرة يتضمن أكثر من 30 نشاطا متنوعا، موزعة بين لقاءات فكرية وورشات تطبيقية ومعارض فنية، تجمع بين مختلف أشكال التعبير الثقافي. وبيّن أن الهدف من هذه الأنشطة هو الاحتفاء بالتراث، والعمل على حمايته ونقله إلى الأجيال القادمة بأساليب مبتكرة.
وأشار إلى أن هذه اللقاءات تُنظم بعدة لغات، من بينها العربية والفرنسية والأمازيغية، في خطوة تعكس التعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المغرب، وتُسهم في توسيع دائرة المشاركة والانفتاح على جمهور أوسع. كما تجمع هذه التظاهرة فاعلين من مجالات متعددة، من مفكرين وأساتذة جامعيين، إلى صناع تقليديين ومهندسين معماريين، ما يخلق فضاءً للحوار وتبادل الخبرات حول سبل الحفاظ على التراث وتثمينه.
وقد تميز اليوم الأول من هذه التظاهرة بتنظيم عرض للأزياء التقليدية الأمازيغية، التي عكست تنوع وغنى الموروث الثقافي المغربي، إلى جانب إقامة معرض للحلي القديمة والقطع النقدية، التي تشهد على تاريخ طويل من التبادل التجاري والحضاري الذي عرفته المدينة.
وقد لقيت هذه الأنشطة إقبالا كبيرا من الزوار، الذين أبدوا اهتماما خاصا باكتشاف هذه الجوانب من التراث.
وتقدم هذه النسخة تجربة متكاملة للزوار، من خلال إدخال مجموعة من المستجدات، من بينها توفير حافلة مجانية لتسهيل تنقل المشاركين بين مختلف المواقع، إضافة إلى فتح عدد من الفضاءات الأثرية بشكل استثنائي، وهي مواقع غالبًا ما تكون مغلقة أمام العموم، ما يمنح الزوار فرصة نادرة لاكتشافها عن قرب.
كما يتضمن البرنامج لقاءات فكرية تجمع خبراء وباحثين من مختلف التخصصات، لمناقشة التحديات التي تواجه التراث، سواء تعلق الأمر بالحفاظ عليه أو تثمينه في ظل التحولات الحديثة. وتُستكمل هذه اللقاءات بتنظيم ورشات وأيام دراسية موجهة لمختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى البالغين، بهدف نقل المعرفة والخبرة، وترسيخ قيم الوعي الثقافي.
وتستمر فعاليات أيام التراث بمراكش إلى غاية 19 أبريل/نيسان، في تأكيد جديد على أن مراكش ليست مجرد وجهة سياحية، بل فضاء حي ينبض بالتاريخ والثقافة. ومن خلال هذه التظاهرة، تسعى المدينة إلى إعادة ربط الحاضر بالماضي، وإبراز غنى تراثها باعتباره عنصرًا أساسيًا في بناء مستقبل مستدام، قائم على صون الهوية والانفتاح على العالم.