المسيّرات الإيرانية تُعيد رسم خريطة مسارات الطيران المدني

الأزمة لم تقتصر على تغيير المسارات، بل امتدت إلى إلغاء واسع للرحلات، حيث تشير التقديرات إلى إلغاء نحو 30 ألف رحلة من وإلى الشرق الأوسط حتى منتصف مارس.

لندن/دبي - تحولت سماء الشرق الأوسط إلى مسرح اضطراب غير مسبوق في حركة الطيران، بعدما أجبرت هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية شركات الطيران على تغيير مسارات رحلاتها أو إعادتها إلى نقاط الانطلاق، في مشهد يعكس حجم التأثير المباشر للتصعيد العسكري على قطاع النقل الجوي العالمي.

وبين لحظة وأخرى، وجد آلاف الركاب أنفسهم عالقين في رحلات بلا وجهة، أو عائدين من حيث أتوا بعد ساعات طويلة في الجو.

وكانت أبرز هذه الوقائع رحلة طيران الإمارات القادمة من لندن إلى دبي والتي اضطرت للعودة إلى مطار جاتويك بعد أن قطعت مسافة تقارب 9100 كيلومتر ذهابا وإيابا، إثر ورود أنباء عن هجوم بطائرات مسيرة على دبي. وهذه الرحلة لم تكن استثناء، بل واحدة من عشرات الرحلات التي تأثرت بشكل مباشر بالتطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة.

ووفقا للبيانات، فإن نحو 30 رحلة تابعة لطيران الإمارات كانت متجهة إلى دبي اضطرت إما للعودة إلى مطارات انطلاقها أو تغيير مساراتها، بعد إغلاق المجال الجوي مؤقتا بسبب الهجمات. وهذا الإغلاق طال واحدا من أكثر المطارات ازدحاما في العالم، ما أدى إلى ارتباك واسع في جداول الرحلات الدولية.

ومع بداية الحرب، أُغلقت أجزاء واسعة من المجال الجوي الخليجي، ما أدى إلى شبه شلل في حركة الطيران. ورغم استئناف بعض الرحلات لاحقا من قبل شركات كبرى مثل طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية، فإن العمليات بقيت عرضة للتعليق المفاجئ مع كل إنذار جديد بوجود تهديدات جوية.

واللافت أن بعض الرحلات تحولت إلى ما يشبه "الماراثونات الجوية"، حيث امتدت لساعات طويلة نتيجة تغيير المسارات أو التوقف في مطارات وسيطة، فرحلة قادمة من شنغهاي إلى دبي، على سبيل المثال، استغرقت نحو 20 ساعة وقطعت 11 ألف كيلومتر، متضمنة توقفا في بنغلادش، قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية.

وفي حالات أخرى، تم تحويل مسارات رحلات من نيويورك وطوكيو وموسكو إلى مدن مثل القاهرة وكراتشي وإسلام آباد، في محاولة لتفادي مناطق الخطر.

كما شهدت بعض الرحلات القادمة من أميركا الشمالية تحويلا نحو مطارات أوروبية، بينما توقفت طائرات أخرى في مطارات "منتصف الطريق" أو عادت أدراجها بالكامل. وتعكس هذه التحركات مدى تعقيد إدارة الرحلات في ظل بيئة أمنية غير مستقرة، حيث تتخذ القرارات في أحيان كثيرة خلال دقائق لتفادي مخاطر محتملة.

ولم تقتصر الأزمة على تغيير المسارات، بل امتدت إلى إلغاء واسع للرحلات، حيث تشير التقديرات إلى إلغاء نحو 30 ألف رحلة من وإلى الشرق الأوسط حتى منتصف مارس. ويشير هذا الرقم الى حجم الخسائر التي تكبدها قطاع الطيران، سواء على مستوى الشركات أو المطارات أو المسافرين.

وتكشف هذه التطورات عن هشاشة قطاع الطيران أمام الأزمات الجيوسياسية، حيث يمكن لتهديدات أمنية مفاجئة أن تعيد رسم خريطة الرحلات العالمية خلال ساعات. ومع استمرار التوترات في المنطقة، يبدو أن الأجواء ستبقى مفتوحة على سيناريوهات غير متوقعة، تجعل من كل رحلة مغامرة محفوفة مفتوحة على كل الاحتمالات.