المغربيات يحافظن على نقش الحناء في عيد الفطر

طقس جماعي يسبق العيد يجمع النساء والفتيات حول الجمال والتقاليد في مشهد يعكس روح التضامن والاحتفال.

الرباط ـ في عموم أنحاء المغرب، ومع اقتراب نهاية شهر رمضان، تتغير ملامح الشوارع والساحات الشعبية، وتنبض الأحياء بحيوية استثنائية تعكس استعداد المغاربة لاستقبال عيد الفطر. وبين مظاهر الزينة وشراء الملابس الجديدة، يبرز نقش الحناء كواحد من أقدم وأجمل الطقوس التي تحرص النساء المغربيات على إحيائها، باعتباره تقليدًا متجذرا في الثقافة المحلية، يجمع بين الجمال والرمزية والاحتفاء بالمناسبات السعيدة.

في الدار البيضاء في أزقة "سوق الجميعة" بأحياء مثل الحي المحمدي وشطيبة، تنتشر النقاشات اللواتي يحولن الفضاءات المفتوحة إلى ورشات فنية صغيرة، يجهزن كراسيهن وأدواتهن لاستقبال الزبونات. هنا، تختلط أصوات الدعوة إلى تجربة النقوش بروائح الحناء الطبيعية، في مشهد يعكس روح العيد التي تسبق حلوله بيومين أو ثلاثة، خاصة خلال ما يُعرف بـ"العواشر" الأخيرة من رمضان.

وتُعد ساحة الجميعة بدرب سلطان واحدة من أبرز النقاط التي تشهد هذا الحراك، حيث تتوافد النساء والفتيات في مجموعات، بعضهن يرافقن صديقاتهن أو قريباتهن، بحثًا عن نقوش تزين أيديهن احتفاءً بالعيد. في هذا الفضاء، تتحول الحناء من مجرد مادة تجميلية إلى طقس اجتماعي تتقاسمه النساء في أجواء من البهجة والانتظار.

هدى، واحدة من أشهر النقاشات في الساحة، تمارس هذه الحرفة منذ أكثر من عقدين، وتؤكد أن الأيام الأخيرة من رمضان تمثل ذروة نشاطها. تقول إن الإقبال يزداد بشكل ملحوظ في اليومين الأخيرين، حيث تستقبل عشرات الزبونات اللواتي يسعين إلى التزين قبل حلول العيد. وتوضح أن هذا النشاط، رغم استمراره طوال السنة عبر المواعيد أو التنقل إلى المنازل، يظل مرتبطًا بشكل خاص بالمناسبات الدينية.

وتتنوع أشكال النقوش التي تقدمها النقاشات، بين الصحراوي والخليجي والفاسي والهندي، ولكل منها طابعه الخاص وتفاصيله الدقيقة. ويُعد النقش الهندي الأكثر تعقيدًا، وبالتالي الأعلى تكلفة، يليه الخليجي، بينما يظل النقش المغربي التقليدي حاضرًا بقوة لما يحمله من رمزية وهوية محلية. وتتراوح الأسعار عادة بين 150 و200 درهم، حسب نوع النقش ومساحته.

لكن الحناء في المغرب لا تقتصر على عيد الفطر فقط، بل تُعد عنصرًا أساسيًا في العديد من المناسبات الاجتماعية والدينية. ففي عيد الأضحى، تحرص النساء أيضًا على نقش الحناء، وإن كان بشكل أقل كثافة مقارنة بعيد الفطر. كما تُعتبر الحناء جزءًا لا يتجزأ من طقوس الأعراس، حيث تُخصص ليلة كاملة تُعرف بـ"ليلة الحناء"، تُزين فيها العروس بنقوش خاصة ترمز إلى الفرح والبركة والحماية.

ولا تقتصر هذه العادة على العروس فقط، بل تشمل أيضًا قريباتها وصديقاتها، في طقس جماعي يعكس روح التضامن والاحتفال. كما تُستخدم الحناء في مناسبات أخرى مثل الاحتفال بالمولود الجديد، خاصة في "السبوع"، حيث تُنقش أيدي الأم أو النساء المقربات تعبيرًا عن الفرح والبركة.

وتحمل الحناء في الثقافة المغربية دلالات تتجاوز الزينة، إذ يُعتقد أنها تجلب الحظ وتحمي من العين والحسد، وهو ما يفسر ارتباطها بالمناسبات السعيدة. كما أنها تُعد وسيلة للتعبير عن الهوية، حيث تختلف النقوش من منطقة إلى أخرى، وتعكس تنوع التراث المغربي وغناه.

خديجة، ربة منزل في الأربعين من عمرها، ترى في نقش الحناء عادة "مقدسة" لا يمكن الاستغناء عنها خلال العيد. وتؤكد أن هذا التقليد ليس مجرد زينة، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية، يعكس ارتباط المغاربة بجذورهم وتقاليدهم. وتضيف أن حرص النساء على تناقل هذا الطقس من جيل إلى آخر يعكس وعيًا بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي.

ورغم التغيرات التي يشهدها المجتمع، ودخول أنماط جديدة من الزينة، لا تزال الحناء تحافظ على مكانتها في قلوب المغربيات. بل إن هذا التقليد يشهد نوعًا من التجديد، حيث تمزج بعض النقاشات بين الأنماط التقليدية والحديثة، لتلبية أذواق الجيل الجديد دون التفريط في الأصالة.

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذا الفن، حيث تعرض النقاشات أعمالهن وتستقطبن زبونات من مختلف الفئات، ما أضفى على الحرفة بعدًا جديدًا، وجعلها أكثر حضورًا في الحياة اليومية.

في النهاية، يظل نقش الحناء في المغرب أكثر من مجرد طقس تجميلي، فهو تعبير حي عن الفرح والانتماء، وجسر يربط بين الماضي والحاضر. ومع كل عيد، تتجدد هذه العادة، حاملة معها عبق التاريخ وروح الاحتفال، لتؤكد أن بعض التقاليد، مهما تغير الزمن، تظل راسخة في الوجدان، تحرسها أيادي النساء، وتُزين بها لحظات الفرح.