المغرب في خندق الأشقاء: تضامن سيادي لا يقبل المساومة
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس مواقف الدول بحدّة العبارات فحسب، بل بوضوح الرؤية واتساق البوصلة الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق جاء الموقف المغربي المندد بالاعتداء الصاروخي الإيراني الذي استهدف أراضي عدد من الدول العربية الشقيقة، ليؤكد مرة أخرى أن الرباط لا تساوم في قضايا السيادة، ولا تتردد في تسمية الأشياء بأسمائها.
الهجوم الذي طال كلا من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة قطر ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، لم يُنظر إليه في الرباط باعتباره حادثا عابرا في سياق توتر إقليمي متقلب، بل باعتباره سابقة خطيرة تمس جوهر النظام الإقليمي العربي، وتختبر صلابة مبدأ عدم التدخل واحترام الحدود الوطنية.
اللغة التي اعتمدتها الدبلوماسية المغربية كانت حاسمة: انتهاك صارخ للسيادة الوطنية وتهديد مباشر لاستقرار المنطقة. وهي عبارات لا تُستعمل عادة إلا حين يتعلق الأمر بخطوط حمراء، فالمغرب، الذي جعل من الدفاع عن وحدته الترابية أولوية قصوى في سياسته الخارجية، يدرك أكثر من غيره أن التهاون مع الاعتداء على سيادة الدول يفتح الباب أمام منطق الفوضى، ويُضعف مناعة الإقليم بأسره.
غير أن الموقف المغربي لم يتوقف عند الإدانة الأخلاقية والسياسية، بل ارتقى إلى إعلان تضامن صريح مع الدول المستهدفة في كل ما تتخذه من إجراءات مشروعة لحماية أمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. وهنا يتجلى البعد العملي للسياسة الخارجية المغربية: تضامن لا يكتفي بالبيانات، بل يؤسس لشرعية الرد ضمن قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
هذا التموضع يعكس رؤية مغربية ثابتة مفادها أن أمن الخليج والأردن ليس شأنا محليا أو جغرافيا معزولا، بل هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، فالروابط التي تجمع الرباط بعواصم الخليج وعمان ليست ظرفية أو مصلحية ضيقة، بل هي علاقات استراتيجية نسجتها عقود من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، وتعززت بمواقف متبادلة في القضايا المصيرية.
في العمق، يحمل البيان المغربي رسالة مزدوجة: من جهة، رفض قاطع لأي مساس بسيادة الدول العربية، ومن جهة أخرى، دعوة ضمنية إلى إعادة الاعتبار لقواعد الاستقرار الإقليمي التي تقوم على احترام الحدود، وعدم تصدير الأزمات، وتغليب منطق الحوار على منطق الصواريخ.
وقد يرى البعض في هذا الموقف اصطفافا سياسيا واضحا، لكنه في الحقيقة تعبير عن مبدأ ثابت في الدبلوماسية المغربية: السيادة خط أحمر، سواء تعلق الأمر بالمغرب أو بأي دولة عربية شقيقة. وفي زمن تتكاثر فيه بؤر التوتر، تبدو هذه الرسالة ضرورية أكثر من أي وقت مضى.
إنها لحظة تذكير بأن الاستقرار لا يُحمى بالشعارات، بل بالمواقف الواضحة والمغرب، في هذا السياق، اختار أن يتحدث بلغة الدولة التي تعرف جيدا أن صون سيادة الآخرين هو في جوهره دفاع عن سيادتها هي أيضا.