المغرب يوجه بوصلته إلى المعادن النفيسة

المملكة تطلق عرضا ضخما للتنقيب عن المعادن على مساحة تتجاوز مساحة دول مثل لبنان وقطر.

الرباط - في خطوة تجسد الطموح المغربي للتحول إلى قطب معدني، أطلقت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة طلباً عمومياً موسعاً للتنقيب عن المعادن النفيسة والإستراتيجية. ويغطي المشروع 13 ألف كيلومتر مربع بالحوض المنجمي لتافيلالت وفجيج، وهي مساحة تتجاوز جغرافية دول بأكملها مثل قطر أو لبنان، مما يؤشر على مرحلة جديدة من "السيادة المعدنية" للمملكة.

 

ولا يحمل اختيار منطقتي فجيج وتافيلالت أبعاداً جيولوجية فحسب، بل يمثل رؤية تنموية لإحياء المناطق الحدودية الشرقية وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وطنية. ويشمل المشروع 361 منطقة اهتمام، وهو ما يمثل نحو 22 بالمئة من إجمالي المجال المنجمي المعني، مما يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة تهدف إلى "تثمين" مقدرات الذهب، الفضة، النحاس والباريت.

وتجاوز المغرب في هذا العرض المقاربة التقليدية للاستخراج، مفعّلاً مبادئ "إعلان مراكش 2025"، حيث أدخلت الوزارة أربع ركائز استراتيجية للمنافسة، تتضمن اعتماد معايير تقنية ومالية واجتماعية تضع "الإنسان المحلي" في قلب العملية المنجمية.

ويشترط العرض اللجوء إلى الطاقات المتجددة وترشيد استعمال الموارد المائية، تماشياً مع التحديات المناخية، بالإضافة إلى تحفيز النماذج المندمجة التي تعتمد تكنولوجيات التخزين وتثمين النفايات المنجمية.

ويهدف البرنامج إلى إدماج معايير الحكامة البيئية والاجتماعية والمؤسساتية لضمان جذب رؤوس الأموال العالمية الباحثة عن "التعدين الأخضر".

ويندرج هذا المشروع ضمن رؤية المملكة لمضاعفة إيرادات القطاع المنجمي (خارج الفوسفات) ثلاث مرات بحلول عام 2030. ويدرك المغرب أن بعض المعادن مثل النحاس هي "النفط الجديد" في عصر الانتقال الطاقي؛ فبينما يمثل الذهب والفضة مخزناً للقيمة السيادية، يظل النحاس والزنك حجر الزاوية في طموح البلد لتوطين صناعة البطاريات الكهربائية وسلاسل توريد الطاقة النظيفة.

وتتطلع الرباط إلى تزويد "المصانع العملاقة" (Gigafactories) التي بدأت تظهر في القنيطرة وطنجة بالمعادن الحيوية محلياً. وسيجعل هذا التكامل البلد لاعباً أساسياً في سلاسل التوريد العالمية، مما يمنحه "قوة ناعمة" في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي والصين.

وأنشأ المغرب في أوائل العام الحالي السجل الوطني للرقمي للمناجم وهو مفتاح النجاح لعدة أسباب، حيث تقضي رقمنة التراخيص على البيروقراطية وتجذب كبار المستثمرين الدوليين الذين يخشون المخاطر القانونية.

ويعتمد النجاح في تافيلالت على دمج آلاف المنقبين الصغار في تعاونيات مهيكلة، مما يضمن لهم دخلاً قاراً ومعايير سلامة احترافية، وهو ما بدأت الوزارة بتنفيذه فعلياً.