المغرب يُعيد رسم خارطة التوريد في ظل توترات متناثرة

المملكة تعتبر اليوم نموذجا مثاليا لما يسمى إستراتيجية 'Friendshoring' بفضل موقعها واستقرار سياساتها العامة.

الرباط - في ظل مشهد دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، لم يعد موقع المغرب مجرد معطى جغرافي جامد، بل تحول بفضل رؤية إستراتيجية بعيدة المدى إلى "رأسمال" سياسي واقتصادي، في وقت تشير فيه القراءات الدولية الأخيرة، ولا سيما التحليلات الإسبانية المتخصصة، إلى أن المملكة نجحت في تقديم نفسها كـ"نقطة استقرار" لا غنى عنها في هندسة طرق التجارة العالمية الجديدة، وتأمين السيادة اللوجستية للغرب في بيئة دولية شديدة التشرذم.

ويبرز المغرب اليوم كنموذج مثالي لما يسمى إستراتيجية "Friendshoring" (نقل سلاسل التوريد إلى الشركاء الموثوقين). وتتجاوز هذه العقيدة الاقتصادية الجديدة منطق الربح السريع لتعتمد على ثلاثة مرتكزات توفرها المملكة بامتياز وهي الاستقرار الأمني والسياسي والتواجد على تماس مباشر مع الأسواق الأوروبية والأطلسية والقدرة على استيعاب سلاسل التوريد الحساسة دون الانفصال عن المنظومة العالمية.

وبينما تشهد الممرات الملاحية التقليدية في الشرق (مضيق هرمز والبحر الأحمر) اضطرابات أمنية تهدد عصب الطاقة العالمي، يقدم المغرب بديله الإستراتيجي المتمثل في "القوس اللوجستي الثلاثي"، حيث تشكل طنجة المتوسط حلقة الوصل الكلاسيكية بين القارات، فيما يعتبر الناظور غرب المتوسط لاعبا بارزا في تعزيز القدرة الاستيعابية، بينما يمثل ميناء الداخلة الأطلسي، قيد الإنجاز، بوابة العمق الإفريقي والمحيطي.

ويمنح هذا المعمار المينائي المتكامل التجارة الدولية "طريقاً آمناً" يربط المتوسط بالأطلسي بكفاءة، مما يقلل من مخاطر الارتهان للمناطق المأزومة عسكرياً.

ولا تقتصر القوة المغربية على اللوجستيك فقط، بل تمتد إلى "السيادة الصناعية". ويشكل استثمار شركة "سافران" (Safran) في قطاع الطيران نموذجاً دالاً على هذا التوجه؛ حيث يعكس الريادة في الطاقة الخضراء من خلال إنتاج أنظمة معقدة اعتماداً على الطاقة النظيفة بنسبة 100 بالمئة الثقة التقنية والقدرة المهارات المغربية المحلية على توطين تكنولوجيات دقيقة (مثل أنظمة هبوط الطائرات)، ما يمهد الطريق للمملكة للتحول من "مركز تجميع" إلى "حلقة وصل أساسية" في سلاسل القيمة العالمية عالية القيمة المضافة.

واستطاعت الرباط بناء شبكة علاقات دولية تتسم بـ"تعدد الأبعاد"، مما منحها قدرة فريدة على التحاور مع جميع مراكز القوى، حيث تحظى المملكة بوضعية "حليف رئيسي خارج الناتو" مع واشنطن، وشراكة معقدة وناضجة مع الاتحاد الأوروبي، فضلا عن دورها الريادي في التكامل الإفريقي عبر عدة برامج ومبادرات.

ويمكن القول إن ما يحققه المغرب اليوم هو إعادة صياغة لدوره التاريخي؛ فالمملكة لم تعد تكتفي بحماية أمنها القومي، بل أصبحت "فاعلاً في الاستقرار الاقتصادي الدولي". وبقدرتها على تقديم بدائل صناعية ولوجستية آمنة، تعيد الرباط رسم خارطة النفوذ في منطقة المتوسط والأطلسي، مكرسةً نفسها كـ "قوس صمود" إستراتيجي في عالم يفتقر إلى اليقين.