الهجمات الأميركية الإسرائيلية لا توقف تدفق النفط الإيراني

إيران صدرت نحو 13.7 مليون برميل من النفط منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير.

يتجه المشهد في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إلى معادلة غير مسبوقة مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل: النفط الإيراني يواصل التدفق عبر المضيق، بينما تتراجع بشكل حاد صادرات دول الخليج.

ويعكس هذا التطور ما يراه مراقبون محاولة إيرانية لفرض سيطرة نسبية على الممر البحري الحيوي واستخدامه كورقة ضغط استراتيجية في الحرب الدائرة.

وبحسب مراجعة لبيانات تتبع ناقلات النفط، استمرت صادرات النفط الخام الإيراني عبر مضيق هرمز بوتيرة شبه طبيعية منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط، رغم الهجمات التي استهدفت سفنا تجارية في المنطقة. في المقابل، أدى تصاعد المخاطر الأمنية إلى شبه توقف لعبور السفن غير الإيرانية في المضيق، ما أجبر العديد من منتجي النفط في الخليج على تقليص صادراتهم وخفض الإنتاج.

ويُعد مضيق هرمز بوابة أساسية لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إذ تمر عبره معظم صادرات الشرق الأوسط من الخام والغاز. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة فيه ينعكس فورا على أسواق الطاقة العالمية.

وتشير بيانات شركة "تانكر تراكر دوت كوم"، المتخصصة في تتبع السفن المرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الظل" لنقل النفط من الدول الخاضعة للعقوبات، إلى أن إيران صدرت نحو 13.7 مليون برميل من النفط منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير. كما قدرت خدمة "كبلر" لتتبع الشحنات أن صادرات إيران في الأيام الأحد عشر الأولى من مارس بلغت حوالي 16.5 مليون برميل.

وتكشف الأرقام أن الصادرات الإيرانية تراوحت بين 1.1 مليون و1.5 مليون برميل يوميا خلال هذه الفترة، وهو مستوى قريب من متوسط صادرات العام الماضي الذي بلغ نحو 1.69 مليون برميل يوميا. ويعني ذلك أن طهران تمكنت حتى الآن من الحفاظ على تدفق نفطها رغم الحرب والتهديدات العسكرية.

ويرى محللون أن هذا الواقع يعكس تحولا في طبيعة الصراع، حيث يبدو أن إيران تسعى إلى إبقاء المضيق مفتوحا بشكل جزئي يسمح بمرور نفطها، بينما تجعل عبور السفن الأخرى محفوفا بالمخاطر. وبذلك يتحول المضيق إلى أداة ضغط اقتصادية وسياسية في آن واحد.

وقد جاءت هذه المعادلة بعد سلسلة هجمات استهدفت سفنا في مضيق هرمز ومنشآت للطاقة في المنطقة، في إطار رد طهران على الضربات الأميركية والإسرائيلية. وأسفرت هذه الهجمات عن ارتفاع حاد في المخاطر التأمينية وتردد شركات الشحن في إرسال سفنها عبر المضيق، ما أدى إلى انخفاض حركة الملاحة بشكل كبير.

في الوقت نفسه، تواصل ناقلات النفط الإيرانية الإبحار في مسارات قريبة من المياه الاقتصادية الإيرانية. وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن العديد من الناقلات العملاقة لا تزال تقوم بتحميل شحنات النفط في جزيرة خرج، مركز التصدير الرئيسي للنفط الإيراني.

كما أظهرت صور أقمار صناعية أن عدة ناقلات عملاقة غادرت الموانئ الإيرانية خلال الأيام الماضية، بعضها محمل بملايين البراميل من النفط الخام. وقد وصلت بعض هذه الشحنات بالفعل إلى المياه القريبة من سنغافورة، أحد المراكز الرئيسية لتجارة النفط في آسيا.

ويعتقد خبراء في قطاع الشحن أن إبقاء السفن داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لإيران، التي تمتد إلى نحو 24 ميلا بحريا، يوفر لها قدرا من الحماية من أي اعتراض محتمل.

وقال ديفيد تاننباوم، مدير شركة "بلاكستون كومبلاينس سيرفيسز" للاستشارات، إنه من اللافت أن الولايات المتحدة لم تبدأ حتى الآن حملة لاعتراض الناقلات المرتبطة بإيران، رغم نجاحها في مصادرة سفن مرتبطة بفنزويلا خلال عمليات سابقة.

ويرى بعض المحللين أن واشنطن قد تتجنب حاليا مثل هذه الخطوة لتفادي تصعيد أكبر في المضيق، إذ قد يدفع اعتراض الناقلات الإيرانية طهران إلى اتخاذ إجراءات أكثر حدة، مثل زرع ألغام بحرية أو محاولة إغلاق المضيق بالكامل.

وقال ماتياس توجني، المحلل المتخصص في أسواق النفط والشحن، إن أي محاولة أميركية لوقف الناقلات الإيرانية قد تؤدي إلى زيادة الهجمات على السفن العابرة للمضيق.

من جهته، اعتبر جيمس لايتبورن، مؤسس شركة "كافاليير شيبينج" للاستشارات البحرية، أن قدرة إيران على مواصلة تصدير نفطها تمثل حافزا لها للإبقاء على المضيق مفتوحا جزئيا، بدلا من إغلاقه بالكامل.

ويعزز هذا الوضع الانطباع بأن طهران تحاول فرض معادلة جديدة في الخليج: إذا استمرت الحرب، فإن تدفق الطاقة العالمية لن يكون طبيعيا، وقد يقتصر فعليا على النفط الإيراني.

ومع تصاعد المخاطر في المضيق، تتزايد المخاوف في الأسواق العالمية من حدوث صدمة نفطية كبيرة، خصوصا إذا استمرت الهجمات على السفن أو توسعت لتشمل البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

وفي ظل هذه المعادلة، يتحول مضيق هرمز تدريجيا من ممر تجاري دولي مفتوح إلى ساحة ضغط جيوسياسي، تستخدمها إيران لإرسال رسالة واضحة إلى خصومها: استمرار الحرب قد يعني اضطرابا واسع النطاق في إمدادات الطاقة العالمية، وهو ثمن قد تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تحمله إذا استمر التصعيد.